الاثنين، 6 نوفمبر 2017

آفاق.. حمامٌ زاجل
نهلة سوسو 
قصّتْ عليها، واللّيلُ في موْهِنه، كيف أوصلَت حمامةٌ، رسالةً، إلى الأمّ المؤرَّقة، من وراء البحار! كانت الأمُّ مهدودةً من الحزن، والحزن يا صغيرتي ثقيلٌ لا يعرف صاحبه أين يتراكم! في شغاف القلب؟ في مآقي العينين؟ على الكتفين؟ في الذِّراعيْن؟ في أصابع اليدين؟ والحزن غامضٌ يا صغيرتي لا يعرف صاحبُه من أين يتجمّع ويغيم ثم يهطل… ويهطل، بلا نهاية: من الغائب البعيد الذي قد لا يعود، أم من النفس التي أمحَلَت من الفرح؟
– الحمامة، يا جدّتي… كيف أوصلت الرّسالة من وراء البحار؟ كيف عرفت منزل المسافر؟ أليس الطريق طويلاً؟ أليست البحار مالحةً ومضطربة بالأنواء؟ أليس البرّ ُموحشاً وبارداً في اللّيل؟
– بلى! لكنّ هذه الحمامة تعرف دائماً طريقها إلى الوطن وتمضي فيه حتى لو أغمضوا عينيها، لا يعوقها إلا الضّباب، وهي حين تعود إلى موطنها تصبح الأرض كلُّها بستاناً صغيراً، ترفرف فوقه باحثةً عن بُرْجها الدّافئ لتحطَّ فيه وتستريح! نعود إلى الأمِّ الحزينة…
أيّة أمّ؟ الحمامة هي التي سافرت وعبرت الأنواء وبقيت في ذاكرتها، من تفاصيل الحكاية برمّتها! سينمو جناحاها الأسطوريّان وترفرف مع كلّ سربٍ شاهدَتْه يقلع ويحطُّ حتّى بلَغَتْ معرفةَ الحمام الزّاجل بذاته، لا برسائله بين قادة الحروب والتُّجّار والمنفيين والعشّاق! وستنبلج الصّورة بنقاءٍ مدهش، كقمر صافٍ تلبَّث فوق الجبال بلا ظلال حين ستقرأ رواية «أبو صابر حمد ذياب»، ومن عجَبٍ أنّ الرِّوايات إدمانٌ بشريٌّ يجدّد سحرَه بلا هوادة ومازال قوتَ فجر الطُّفولة كما كان قُوتَ فجر البشريّة وغذاءَ التّاريخ! «حَمَد» هذا صار جنديّاً في جيش الاحتلال الفرنسيّ لوطنه، كي يلبس بزّة ويتقاضى معاشاً، لكنَّه ما يلبث أن يقاتل بسلاحه، من سلّحه، حين يتلقّى منه أمراً بإطلاق النّار على أهله وإخوته! يُلْقى القبض عليه ويُزَجُّ في السّجن خمسة عشر عاماً، لكنّ القضبان تعجز عن حَجْب أغانيه وإثارة نفوس السّجناء، فيُنفى إلى «غِيانا» في أمريكا اللّاتينيّة، وفي أدغالها يعرف الجوع والعطش والبرد والعري مدّة عشرين عاماً، تشرق شمسُها كلَّ صباحٍ فيمدُّ أصابعه يَنسُلُ منها خيوطاً، لابد أشرقت، قبل أن تصل إليه، على جبل الريّان البعيد، ويلمس جذوع الشّجر الغريب فيسمع طقطقة لحاء السّنديان المتشبّث بصخر «القنوات»، ويقشّر ثمرة صنوبر وفي فمه تفّاح السّويداء ومشمش الغوطة! لا يريد أن يكون «روبنسون كروزو »بل ينتظر أن يصقل مجذافين يمخران المحيطات! لا يريد أن يكون «حيّ بن يقظان» بل ينتظر أن تنبت له جناحان توائمان نسائمه الصّبور… وقد عاد قبل غروب شمس حياته!هكذا سرد «سلامة عبيد» روايةً واقعيّة، ببطلها الإنسان، الواقعيّ، خياليّةً في جُزَيئاتها وأجوائها ويوميّاتها! تقرأ الصّفحات بتأمّلٍ وتسرُّعِ نبضاتِ قلب وصوت الجدّة الواهن في سَمْعها فلا ترى إلا جناحيْ حمامةٍ زاجلة تمخر عباب الفضاء ميمِّمةً شطر الوطن لا تعوقها البحار ولا البراري ولا تتوقّف في الموانئ ولا تختم جواز سفر على حدود لأنّ العشق العميق ختم على قلبها وَشْماً أبديّاً لا يطلب من المعشوق مكافأة إلا رغيف خبز من تنّور على مفترق طريق ونسمةً تهبُّ على أنفاسه من بساتين الجبال والذّكريات وقد وصل بعد عشرين ساعة، بل عشرين سنة… إلى البيت والرّغيف و… قلوبنا، حيث اكتملت الملحمة!

معلومة: رواية الكاتب الفذ «سلامة عبيد»، «أبو صابر.. حمد ذياب» نالت جائزة الرّواية من وزارة الثقافة في سوريّة عام 1970.

هناك تعليق واحد: