افاق ..حَبْل غسيل
نهلة سوسو
البيوت تنطوي على أسرارها! لا تكفيها الجدرانُ ولا السّقوف كي تُحْكِمَ دائرة الأسرار حول نفسها، فللأبواب مفاتيحُ وأقفالٌ ورِتاجٌ، وللنّوافذ طبقاتٌ من ستائر قماش وستورٍ خشبيّة، ولطارق الباب سؤالٌ من وراء «عينٍ سحريّة»، يفسّر صوته قبل رؤيته! وما ابتعدَ ابنُ المدينة المعاصر، كثيراً عن بيوت الأجداد العتيقة المسوّرة بجدرانٍ مصمتة بلون التّراب، تخفي وراءها الأشجار والعرائش ونوافير الماء وأُصُصَ الزّهر الرّقيق والوئام والشّجارَ والمحبّةَ والغُلّ، فاستحضر الزُّجاجَ المعتم يضعه على شرفاته، مرايا تحتفي بكلّ ما هو خارجَ البيت، وتشتّت أنظارَ المتطفّلين!.
عامان مضَيا وهذا المنزل لابثٌ أمام عيني في الطّابق الرّابع، من دون أن يُصدرَ نفَساً أو ينِدَّ عن خصوصيّة! طلاءُ شرفته تقشّر، وحديدُ سورها شحَبَ سوادُه، وبين آنٍ وآن، كان ضوءٌ خلفيٌّ يُنسى حتّى ساعات الصّباح! وبيني وبين هذا البيت امتعاضٌ دائم لأنّه حجَبَ عنّي التّلالَ خلفه، ثمّ الغيوم ثمّ قمراً كان يشرد أحياناً وراءه! وقلّما كان فتى نحيل يقف برهةً، متّكئاً على السّور ثمّ يختفي! وبقي هذا البيت مجرّدَ إسمنتٍ، فُرّغَت فيه مستطيلاتٌ ومربّعاتٌ وتناوبت عليه أضواءٌ ساطعة أو شاحبة، حتّى استيقظ فجأةً بعد ظلامٍ وصمتٍ مطبقَيْن، ما يُقارب الشّهر… فعلى حبل الغسيل الذي مُدَّ على الشّرفة، تلاشى التّحفُّظُ والتّكتُّم الفطريّ: تلك المناشف الغامقة تقول إنّ أصحابها يفضّلونها على الألوان النّاصعة لصعوبة غسلها، وتلك القمصان المتدرّجة من الرّصاصي إلى الفضّي عبر الرّمادي، تشي بذوق شخصٍ يفضّل ألا يلفت النّظر بألوان صاخبة.. وبينما تراصفت الكنزات الصّوفية بألوانها غير المتمايزة، اختفت الملابس النّسوية على الشّريط الخلفيّ لكنّ الرّيح انتزعتها من مخبئها وشدّت أطرافها وأذيالها وطوّحت بها بشقاوة، خارج السّور! قطعةٌ واحدة، بدَت كاللّوحة المكتملة في مرسمٍ مزدحمٍ بالأطُر والأقمشة المشدودة على حواملها: مفرش طاولة، سكّريُّ اللّون، انتثرت عليه أزهار سوسن ورديّة، منمنمة، وشُغِلَت أطرافه بالكروشيه النّاعم، وهو لن يجفّ قبل كل قطع الغسيل، بسبب رقّة قماشه فحسب، بل سيعود إلى الداخل فوّاحاً برائحة الزّنبق، ليُفْرَش على طاولة عتيقة قد تكون كبيرة أو صغيرة، مربّعة أو مستطيلة، بيضويّة أو مدوّرة، لأنّ ربّات بيوتنا تعلّمن التّحايل على أشكال المفارش والطّاولات وصرْن يتكيّفْن مع المتوفّر وبساطته! ولكم شعرتُ أن الموسيقا العائليّة الخفيّة مهما احتجبت وكُتِمَت فإنها منبعثة لا محالة، تحملها نفسُ الرّيح التي حملَت سرّ ذلك الحلاق الذي اكتشف أنّ أذنيّ الملك كبيرتان، وحُذّرَ من إفشائه فمضى إلى حقل القصب ليبوح بحِمْلِه الثقيل فإذ بالرّيح تردّده وهي تدخل تجاويف القصب، ويمتلئ الفضاء بالحكاية، بل يغدو لها قرار وجواب فألحان تتردّد غير عابئةٍ بالحوائل والحواجز!
كم نشبه أنفسنا، إذا كنّا نستعصي على تنفيذ قرارات بمنع استخدام الشّرفات لنشر الغسيل، كما تفعل مدن صناعيّة كبرى لأنّنا منذ زمن سحيق نحتفي بمسحوق الغسيل المعطّر والتبييض الناصع وانتقلت عادة الغسيل على الأنهار إلى أضيق الأمكنة في بيوتنا! أخطو إلى شرفتي هذه المرّة، فأرى شرفات الجيران حيثما يصل بصري! المطر بدأ بالهطْل لكنّه ساعدني مجدّداً على زيارة بيت فيه طفلتان، ملابسهما الزّاهية تغطّي شريطاً كاملاً، وبيتٍ فيه فتى من عشّاق كرة القدم، وأرضيٍّ فيه جنديٌّ لابدّ أنّه في إجازة وأنّ أمّه لم تترك قطعةً لبسها إلا غسلتها بيديها النديّتين وروحها، فعلى عجَل اختطفَتها من تحت المطر وحضنتها، رافضةً أن تسلّمها له وهو يضحك، ثم أغلقت باب الشّرفة! وأنا أخطو إلى الدّاخل الدّافئ سمعتُ صوتي: ستجفّف ملابسه قرب المدفأة! لابدّ أنها تفعل ذلك الآن وهي أسعد الناس، تحت هذه السّماء الملبّدة بالغيوم!.جريده تشرين 2018/01/21

ولتحيى سوريه
ردحذف