الاثنين، 8 يناير 2018

آفاق ..حرب الوثائق
نهله سوسو 
لم ينْته بعد زمنُ الكتاب المطبوع، رغم تغوُّل وسائل الاتصال واتساعها بلا حدود، والتهامها، بقدراتها الفريدة لكلّ المطبوعات منذ وسْمِ الحرف على الرُّقُم الطّينيّة ثمّ اختراع الطّباعة، فبلمسة زرٍّ سحريّ يستطيع القارئ أن يغوص في كلّ المُدَوَّن البشريّ، لا تعوقه لغةٌ ولا ترجمة، ومع ذلك مازال الكتاب المطبوع موجوداً بالضّرورة، لسرٍّ فيه، قد يكون الاستقلاليّة، وقد تكون قدرة الغلاف على حفظ مهابته!
لا أتذكّر أنّني لحظتُ قبل الحرب على سوريّة كثرةَ طرح الكتب الجديدة في احتفاليّات كبيرة، لأن زيارة المعارض والمكتبات كانت متاحة وشراء الكتاب كان هادئاً رغم ما يواكبه من غزارة معلومات عن الحفاوة به قبل أن يوضع في قاعة البيع، حتّى إذا حلّت الحرب في أرضنا واجتاحت سيولها أقصى ركن في بيوتنا، كانت حربٌ فكريّة عاصفة تدور على هوامشها، تشتعل على المنابر وفي الصّحف، " فرسانها" مفكّرون وذوو نظريّات ورؤى، يشتبكون بحدّةٍ لا تقلُّ عن حرب السّاحات والشّوارع، حيث كان الحقُّ يصطرع مع الباطل! وبعد سنواتٍ سبع، رأيت في مكتبتي المرتجَلة، بعد التّهجير القسريّ، كتباً تجمّعت بين وقت وآخر فإذ بها ترسم خطّاً بطيئاً عميقاً، كنت غافلةً عنه في واقع أحداثٍ، معيشة، لا تتطلّب إضافات نظريّة! هذه الكتب جميعها سجّلت وثائق عن يوميّات الوطن، بالتّواريخ والأرقام والصّور رغم أنها حملت عناوين متباينة وتواقيع مختلفة!
بالتّداعيات الذّهنيّة تذكّرتُ تلك الوثائق التي كان يُفرج عنها في مراكز بحوث بعض الدّول الاستعماريّة الكبرى، بعد خمسين عاماً من الحفظ والسّرّيّة، هي قوانين يقيّدون بها مسؤوليهم المتعاقبين، ويشابهون بها أيضاً قوانين تقادم الجريمة والاستعفاء من العقاب، فيما يخصُّ الشّعوب التي استعمروها! ثم تداعت إلى ذهني قضايا تسريب الوثائق من نفس تلك العواصم والحفلات التي يشغلون بها العالم بالتوقيت والهدف والمصداقيّة! أما هذه الكتب التي وصلتني بحضور حفل توقيع أو بإهداء أو بطلب فكان لها شأن آخر .. ففي عصف الأكاذيب الرهيبة التي جُنِّد لها محطّات وأقلام وصحف ومراكز بحوث كانت هناك عقولً نافذة وعيون صاحية وضمائر حيّة، لم تضيّع لحظة واحدة وهي ترصد وتسجّل، ثمّ تحفظ المعلومات في كتب للزّمن القادم، زمن الأجيال التي ستأتي بعد عقود من الزّمان وتسأل: -ما الذي حصل في تلك الأيام؟ 
في الوثيقة، شيء يختلف عن الرّواية والفن والشعر، لأنّ ما تتركه يمكن أن يزوّد كلّ الفنون بالقوّة والعافية والدّيمومة، أمّا ما تحمله الفنون من إشارات الزّمن بأحداثه الدّامية أو السّارّة فيحتمل التّأويل وانتفاء رسم الحدود والاجتهادات، ذلك ما وقَرَ في خاطري وأنا أستعرض عناوين الكتب التي وثّقت نصر حلب أو دوّنت انتصارات الجيش في أكثر من جبهة، وجَلَت أكاذيب الهجمات الكيماوية المزعومة، وأتذكّر كتباً قليلة، وثّقت لحرب تشرين التّحريريّة، لكنّها ستبقى بعنفوان أجمل الروايات التي كتبت عنها!
وعدُ قراءة مطالعة هذه الكتب، وعدٌ أخضر! عشنا حرباً قاسية ضروساً على كلّ الجبهات وكافة المستويات؟ نعم! لكنّها حين ستُروى بيوميّاتها الدّامية، لن تضيع في أكاذيب مؤرّخين مغرضين، هم امتدادٌ لمن حاربونا بالفكر والنّظريّات ولم يتورّعوا قطّ عن التضليل والتّهويل، والذّهاب فيهما أبعد مذهب، لأنّ البرهان أقوى من أضاليلهم وأنصع من أهدافهم، ولا يمكن أن نُهزَم في ميدان لا راهناً ولا لاحقاً

جريده تشرين / 9 / 1 / 2018

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق