افاق..البلاءُ العظيـم
نهلة سوسو
بمَ أفادها تشخيصُه «الدقيق» المقروء من صورة شعاعية، لطالما أصابتها بموجة من اكتئابٍ عميق لأنها لا تشبه الصُّور بشيء؟ حقّاً بمَ أفادها والألم يسطع من مكان لن تستطيع كلّ أجهزته المعقّدة أن تقيسه أو تحدِّد مسراه ومراوغاته وتسلُّله إلى حيث لا تسعفها معارفُها عن الأعصاب و«الأعضاء التي إن اشتكى منها عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالحمّى والسّهر»؟.
– كسرٌ مزدوج، آلامه مبرِّحة إلى مدى غير منظور، لكنّ الدّواء الذي سأكتبه لك في الوصفة سيجعله محتَمَلاً! ما لم تحتملْه، المشهد الذي باتت فيه رثَّةً، مبعثرةَ الشَّعْر، متّسخةَ الملابس،داميةَ الجروح، تحت أضواء باردة، مع صوتٍ يعاجلها بالقول: – نتجاوز البلاء بالصّبر والدواء! أرجو أن يكون احتمالكِ للألم عالياً! –ماذا تعرف عن ألمي إلا ما تكرّر في عيادتك النّظيفة الهادئة التي لا تنافِس بياض ثوبكَ النّاصع ونظّارتك الصّافية؟ اليومَ خبرتُ ألماً جديداً سمَّيتَه أنت البلاء لكنّني لا أراه كذلك مادامت سيرتُه تُروى في عيادة، الألم الذي لا يسكن البدَن بل تتوهُ فيه كسمكة في الماء أو كائن دقيق مجنّح في فضاء موبوء هو البلاء، ولعلك نجحتَ في هذا التّشخيص أكثر من تشخيصك للصّورة الشّعاعيّة! منذ سبع سنوات والألم يدهمني في مقتل! منذ طلعت عليّ شمس كنت أحبّها رمزاً للنّور والضّوء واللّهيب المطهِّر للعفونة، كلِّ عفونة، ورأيتُ لها وجهاً لم أكن أعرفه بهذه البشاعة الدَّمويّة والكُلوح، وأنا أعوم في ماء الآلام، بل تضربني تلك الآلام لأنني لم أعد من ذوات الدّم البارد كالسّمكة بل من ذوات الأجنحة الواهنة غير القابلة للموت! هل تتذكّر أوّل جريمة قتل علنيّ اجتمع لها ذئابٌ، أنيابُهم تقطر دماً، ومخالبُهم تقطر دماً، وحول المغدور والقتلة سارت جموعٌ منتشية، كأنّها غادرت أوكارها في غابٍ معتم وخرجت لتغتسل بماء السّماء المجاني؟ هل تتذكّر كم من صرخةِ ثكلى هزَّت هزيع اللّيالي وقضّت المضاجع التي أزالوا أبوابها وحميميّتها؟ هل تتذكّر كيف اختفت الحدائقُ في الأحياء الجانبيّة وشُنِقت أشجار نخيلها وتحوّلت إلى مقابر؟ هل تتذكّر الطّرق السّريعة، شرايينَ الحياة في الذهاب والإياب، حين تقطّعت ونزفت ثم صمتت لتنعق الغربان على خرائبها؟ ذلك هو البلاء الأعظم الذي توهّمتُ أن لا شفاء له وأنا أضرب في الأرض من منزلٍ إلى مأوى أحاول تذكّرَ مرثيّات شعراء كل العصور، حتى رأيته فارساً مشيقاً، زينتُه النجوم وتاجُه الشمس، يعدّل ما ألحقوه بالأرض من فوضى ودمار، فلتطمئنّ إلى درجة تحمّلي للألم، مادام ألمي وحدي هذه المرّة!.
جريده تشرين / 2018-04-10 /

انه المشروع الصهيوني المنظم والمؤطر في مؤسسات يهوديه وعالميه
ردحذف