الغناء لا غنى عنه كالأحلام! كم أخذَ من الكلام وهو ليس بكلام! فجأةً تخرج أغنيةٌ كمرآةٍ للرّوح في لحظة حزنٍ لا شفاء له فتحضنها وتواسيها، ولعلّها في ليلٍ طويل تزيد من تباريح عاشقٍ بات خارج مدار الأكوان فأحضرت المعشوقَ من وراء ألف حجاب! وما من فرحٍ يستقيم، ويُسمّى فرحاً، من دون أغانيه! من ابتدع الأغاني ولماذا؟ من هدَى الأمَّ لتهدهد المهدَ بأغانيها المرتجَلة؟ ومن ساق الحصادين والمزارعين إلى مخاطبة الأرض بالغناء مع البذار والمنجل؟ من قال للبحّارة: إنّ الغناء يخفّف من جموح العواصف؟ ومن خطَرَ له أن يغذّي عزيمة المقاتل بأنشودة تجعله أعلى قامة من الجبال الشاهقة وأكثر اصطخاباً من أمواج البحر؟ إنه سرٌّ مكنون ولو تواتر واختلف وذهبَ وراءه ألف باحثٍ ودارسٍ ومهتمّ! الأغنية هي روح الإنسان والشعوب، تأخذ مزيجها مما لا تدركه عدَسَةٌ فاحصة مهما زعمت الدقّة، فمن بوسعه أن يقيس خلجات الرّوح؟ ما يمكن قياسُه هو الأغنية الطُّفيليّة المتسلّقة صناعةً وتجارةً، على الأصول التي بدأت أيضاً في المعابد تقرُّباً إلى الآلهة، وهي أغنية باتت تموت بسبب هشاشتها وعدم ولادتها الطّبيعيّة وما لبث العصر الصّناعيّ أن أدخلها في سلعه كالقاطرات والسّكك الحديديّة وجنّد لها رؤوس أموال وشركات و«نجوماً» وأسواقاً ووظائف إيديولوجيّة، انتهت في ثقافتنا إلى بيادر وركام من كساد كاد يسرق أغنياتنا الحقيقية الجميلة، غيرَ الإعلاميّة، المغنّاة في أفراح وأتراح الشّعب على امتداد أرضه! زمنُ الأغنيات التي تقتحم السَّمْعَ من الأجهزة المنتشرة في المنازل والمحالّ والسّيارات جعلها كالغبار، لا مهربَ منها، رغم أنها مُفرغة من الرّحيق حتى إذا حلّ طاعون الإرهاب في البلاد وضرب في طريقه كلَّ البُنى انقطعْتُ عن الاستماع وقلت لنفسي حين ستسطع الشّمس سنعود إلى ذلك الغناء الذي أحيا رباعيّات الخيّام وجعل اسمَ البحتري يرتبط باسم المغنّية عَلْوة، لكن التهيُّؤات تتلاشى أمام الواقع بل ويجلب هذا الواقع مسرّاتٍ لم تكن تخطر بالبال، فبينماكنت أتلهّف لأخبار الميدان ورجاله وأتابع الأفلام القصيرة على وسائل التّواصل الاجتماعيّ سمعت منهم أغنياتنا المحمولة على أعذب الأصوات، من الأرياف والبادية والسّاحل وقمم الجبال، يتردّد فيها الحنين والشّجن والفرح والفروسيّة والعشق وأسماء الكواكب والنّجوم وثمار المواسم وخبز الأمّهات والفداء والتضحية بالرّوح! هو ذا الغناء الذي ردّ الرّحيق إلى أغانينا لأن شاعرَه الأرضُ وملحّنَه القلبُ وإذا ما أنشده جنديٌّ يحرّر ويزرع القمح والورد، رأى السّامعُ وكْفَ سحائبَ تهمي عطراً وأرَجاً على روحه ومشاعره!
انقلوا هذا الإبداع إلى إذاعاتنا وشاشاتنا لتتعافى أذواقنا!/ جريده تشرين / 2018-04-24 /

النصر قرار
ردحذف