افاق..زَيْـغٌ أَم بُهْتان؟
نهلة سوسو
في مقتبل الشباب، في أول سنة جامعية وعَدْتُ نفسي بدراسة العبريّة، لغةً مساعِدة، من اللُّغات الثّانويّة، لأنها لغة العدوّ الذي سطا على التأريخ والتاريخ برواياته الكاذبة وسحب القداسة من توراته إلى ترّهاته التي فرضها على الأدبيّات الغربية بدينٍ جديد هو معاداة السّاميّة! كنتُ محصّنة بحقائق الأرض والروايات التي سمعتها من مسنّين جابوا المدن الفلسطينية زوّاراً وعمّالاً وسائقين وشغوفة بتلك البساطة التي يتحدثون بها عن رفضهم للصهيوني المستوطن، بعيداً عن القصائد والبرامج الإذاعية التي شكّلت بدورها ثقافة لم تتوقّف عن تغذية روحي بأن أرض اللوز والبيّارات والزعتر وجبل النّار لا يمكن أن تفقد ذاتها وهوَّيتها لمجرد نزول غرباء فيها يغيِّرون الأسماء ويحفرون الأرض ويسطون على طبق الطّعام وقطبة التطريز وأغاني الأمّهات والمقامات الشجية على ضفاف دجلة والفرات! كان صوت العدوّ بائساً، عبر إذاعته العربيّة، على موجة متوسطة، تستجدي مستمعين عرباً، عبر بثِّ أغاني أم كلثوم والحديث عن تاريخ مشترك بين شعبين، معتبرةً ذلك اليهودي الذي عاش في العراق أو مصر أو اليمن شعباً قائماً بذاته، وتبدو لي أنها تنفخ في قِرْبة مثقوبة، فما من عربيٍّ سويٍّ يتقبّل مثل هذا الهَذْر العائم فوق احتلالٍ واستئصالٍ وافتئات، ومن استخفَّ به وُصِم بوصمة عار ونُبِذَ في محيطه حتى لم يتجرّأ على الجهر به، لكن يوم صمتت تلك الإذاعة كانت قد أنبتت وراءها عشرات، بل مئات المحطّات التي تتحدّث بالعربيّة المبينة ذات المضامين العبريّة الصّرفة!
أتأمّل أولئك المذيعين، ومعهم ضيوف، تتخطّفهم الأضواء من عواصم العالم، بياقات وربطات عنق فيها شارات الجامعات التي أعطتهم ألقاباً، فأكاد لا أصدّق اتّساع امبراطوريّة الإفك الصهيونيّ، بَلْهَ اندفاعَ تلك الجموعِ من الإعلاميين و«النُّخبة» للخدمة في بلاط العدوّ، وتلك الحماسة المفرطة في استرضائه، بحيث باتوا يعرفون هواه فلا يكابدون صبره على الخلط والتزوير والافتراء، بل يسبقونه كما يفعل البرق قبل الرّعد، في قوانين الطّبيعة التي لا تعرف الخَرْقَ ولا الاستثناء، كما تعرفها علوم النَّفس والاجتماع، التي على بوّابتها يتوقّف المرء ليتساءل: أتراهم يفعلون ذلك زَيْغاً؟ والزّيْغ اللّونيّ هو قصور العدسة عن تجميع ألوان الضَّوء المختلفة في بؤرة واحدة؟ وفي التّوصيف النّفسي هو اضطراب عقليّ، أم هو البهتان الواعي المقصود، الذي فكّكته اللُّغة إلى: الافتراء والكذب والإفك والاختلاق والزُّور؟ وسواء كان هذا أو ذاك فإنهم أسوأ من عدوٍّ أعدَّ لنا كلّ الوسائل وهم أقبحها وأقذرها على الإطلاق حين تتوجّب مقاومتهم، وما ذلك بعسير!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق