آفاق.. قلم وكاميرا

نهلة سوسو
استعادت صوتَ تهشُّمِ العظْم الغامض قبل أن يهيج الألم في كلِّ أطرافها ويمسكَ بخناقها، حين رأت الخبر مشفوعاً بصورته مبتسماً: الإصابة بقذيفة مباشرة، والأطبّاء يوقفون النّزْفَ الغزير! صار الألمُ ألمَها، مُستعاداً، من تهشُّم عظام ساقَيْه ثمّ بتْرِهما! فيوم كُسرَت يدها في حادثة عجزَت عن وضعها في سياق أيّ منطقٍ زمنيٍّ، سوى المصادفات السّيّئة التي طالما سمعت أمَّها تردّدُ تميمةً لإبعادها: -اللّهمّ أجِرْنا من ساعة الغفلة! عرَفَت أن لحظةً من تلك السّاعة قد حلّت بها، وأن أيّاماً صعبةً ستتْرى عليها حين ينام الجميع ويتركونها للّيل الطّويل، تكابد الألم والأرق، بعد اطمئنانهم لتقديم المساعدة لها! هي التي أحاطت بها المسكّنات، ورُوعيَ وضعُ الوسائد وإطفاء الأنوار وإسدال السّتائر وتخييم الهدوء، كانت تعاتب تلك اليد لأنها وجدت بدائل لتواصِل مهامَها في تناول الطّعام وشرب الماء وغسل الوجه، وعجزَتْ عجزاً مطلقاً عن الإمساك بالقلم! ما كانت تعلم أن الجواد الذي يطوف بها في هذا العالم المضطرب، ويمرُّ على مفارق الطُّرق، ويقف على شواهق تتأمّل منها الوديان وجموع العابرين وهمومهم، قبل أن تعود إلى عزلتها، ترتّب هذا العالم، ليس كما تشاء، بل كما يليق بانسجامه من دون فوضى، بلى! ما كانت تعلم أن لجام هذا الجواد هو القلم، الأليف كأصابع يديها، الموجود كبصر عينيها، السَّلْس كضوء النّافذة، المتاح كماء الصنبور، الملبّي كالموسيقا الخافتة، وإلا ما كان توقّف عن الحمحمة بل وصمت منذ انكسرت تلك اليد!
-أنا حيّ بنُ يقظان، أتلمّس سبل الحياة في جزيرة من دون تجارب مسبقة! عليّ أن أبتكر الوسائل البدائيّة من دون طلب المساعدة في أهون الأعمال، كما فعَل ابنُ يقظان في لبس الرّيش ثم القماش، وفي أكل الثّمار ثم إشعال النّار والصّيد، فكم ستطول رحلتي قبل الشّفاء؟ -كم تبالغين وتهوّلين في حادثٍ عَرَضيٍّ يحصل كلّ يومٍ لآلاف البشر!كانت عيناها تغالبان دمعاً مالحاً، مُرّاً وهي تتصفّح صوراً لذلك الشّاب الوسيم ذي الوجه الوضيء، وقد بُترت ساقاه بعد إيقاف النّزيف: -لستِ محقّةً في هذا! الحمد لله أنه بلغ السّلامة وأنت تعلمين أنّه كان في جحيم الحرب ورُمي بقذيفة مباشرة لكنّ الله سلّمه ووهبه الحياة! – ما كان الرّصاص سيشفي غليلهم منه، هو الذي دوّن يوميات الحرب الطّويلة بكاميرا، كانت أبلغ من ألف كتاب وقصيدة ورواية، ولعله، سيحتمل ألمَ بتر ساقيه أكثر من توقفها عن التجوال! كانت هي الأخرى جواده الرّشيق الذي يطوف به العالم كما كان قلمي المكسور إلى جواري!.
جريده تشرين 2018-05-29
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق