حسناً فعل الكاتب الرّوسيُّ «تورغنييف»، بل أبدع حين لمَح العلاقة الشائكة بين الأجيال ورصَدَها في تفاعلاتها الاجتماعية الكبرى، إذ تنحسر طبقةٌ قديمة بفعل الزمن لتأخذ مكانها طبقةٌ فتيّة، من دون أن يحدثَ قَطْعٌ هندسيّ بينهما لأنّ خطوط التّماس الإنسانيّ تستمرُّ في الصّراع بين من سمَّاهم الرّوائيُّ الحاذق «الآباء والبنون»!
عبر سيرورة الزّمن كان من السّهل أن يتّهم الآباءُ وهم الجيلُ القديم، الأبناءَ، بالخفّة، لكنّ منطقة التلاقي بين هؤلاء وأولئك لا يمكن أن تنقطع لأن انقطاعها، ببساطة، يعني انقطاع تيّارِ الحياة، حاملِ الخبرة والثّقافة والمعرفة والتّجربة، ففي هذه المنطقة يكون الطَّيفُ الأبويُّ واسعاً، وامتنانُ الأبناء كبيراً! راودتني هذه التّداعيات وأنا أقرأ كتاباً غيرَ مألوفٍ في إصداراتنا، وهو صادرٌ عن وزارة الثّقافة، الهيئة العامة السُوريّة للكتاب-منشورات الطّفل! وأدهشني الغلاف الموسوم بـ: تأليف مجموعة من الأطفال، هم الفائزون في مسابقات الشّعر والقصّة والمقالة! وبعد قراءة النّصوص الممتعة المؤرَّخة في عام 2008، فهمتُ أن هذا تقليدٌ دأبت عليه الوزارة، في مديريّة ثقافة الطّفل كلَّ عام! وما مِن مسابقة إلا فيها لجنة تحكيم خبيرة، تغربلُ مئاتِ النُّصوص، الواردة من كل أنحاء الوطن تحمل إشاراتٍ مهمة عن مستوى التعليم، قبل الموهبة والإبداع، لأن الأجناس الأدبيّة تحتاج إلى أكثر وأوسع من المناهج، فكيف إذاً أتت من طفل انطلق في هذا العالم الرّحيب صعبِ المسالك، المُضْني والممتع؟ ولعلّ وزارة الثّقافة اجترحت مأثرة حين تبنّت النصوص ونشرتها، لكنّ اللافت أن «الآباء» من المبدعين الكبار وخاصّة النّقّاد لم يرَوْا ولم يسمعوا بهذا الإبداع الطّارئ الذي يتجاوز براعة كتابة موضوعات التّعبير في المدارس، ويرتقي إلى مستوى أدبٍ، جميلٌ أن يتناوله النّقد كما يتناول الإصدارات الأخرى!
مرّت عشرة أعوام على إصدار هذا الكتاب! كبر الأطفال الذين ألّفوه عشرة أعوام، فأين أصبحوا؟ هل توقّفوا؟ هل واصلوا؟ وعلى خطاهم آخرون أبدعوا وفازوا عاماً بعد عام، لكنهم سيغيبون بين دفّتَيْ كتاب يُقرأ مصادفة، قد تكون أفضل من لقاءٍ كنتُ شاهدةً عليه، بين طفل وكاتبة كبيرة سخَّفت فيه قصّته وطلبت منه مواصلة دروسه، وتحايلْتُ بكل الوسائل كي أكفكف دموعه وأجبُرَ خاطره (أصبح فيما بعد من أهمّ كتّاب السّيناريو) ورغم ذلك لابد من التفات «الآباء» إلى اللآلئ التي يصوغها الأدباء الصغار، فذات يوم قرأت رسالةً مذهلة للألماني هيرمان هيسّه موجّهة إلى شاعر شاب، وأحسب أن الشاب كان وهميّاً، لكنّ الرسالة كانت دليل كلّ موهوبٍ لارتياد هذا العالم السّحري…
جريده  تشرين 2018-05-01