الثلاثاء، 8 مايو 2018

افاق.. وأيَّةُ معمعة! نهلة سوسو





لم يكنْ الحارسُ اللّيليُّ المتجوِّل في الأحياء الجانبيَّة الهاجعة، طفرةً في النسيج الزّمنيّ أواسط الخمسينيّات، بل تناغمت معه سيمفونيّةُ حياة كاملة، فيها النّوم المبكّر على الفُرْش التي تُطْوى في الصّباح وتنتظر العائلة مائدة الفَطور الجماعيّة، التي لا تمتدُّ إليها يدٌ قبل إِذْن الأب، وإذا خُرِق هدوء البيت، فبصوت المذياع الثّابت على رفٍّ يصدح بنشرة أخبار كأنّها لأحداثٍ تجري في كواكب أخرى! .. خفيفاً كان أثيرُ الحياة على النُّفوس، فلا البيت معنيٌّ بمشكلات الأب في العمل، ولا الأم معنيّة إلا بمملكتها ولا الأطفال يشوّشهم العالم الخارجي ما خلا ظواهر الطبيعة من رعد وريح ومطر وصداح ونسيم، متعتُهم الكبرى تلك الألعاب الجماعيّة التي تقطع سأم الليالي الطّويلة، يتضاحك فيها الكبار ويتخفّفون من جدِّيّتهم، أو يبتدعونها بأنفسهم حين تغيب عيون الرّقيب عنهم! كانت هذه حقائقَ في زمنٍ غير معقّم من الأحزان والأحداث العنيفة والعواصف، لكنّ اللّيل كان ملكَنا وكذلك عزلتَنا التي نستخدمها لتصفية معاناتنا كي نستمرّ في الحياة ونفوسنا بين أيدينا!.. لا الأبواب ولا النوافذ ولا الأقفال ولا الحجراتُ الصّغيرة باتت تجدي في زمننا الرّاهن بالتماس لحظة واحدة من الهدوء والانفراد بالذات، ولو قيل لي في زمن ما، سبق زمن هواتفنا «الذكيّة» وكنت أعيش في أي مكان على الكرة الأرضيّة، وأتحدّث أيّاً من لغاتها: سيأتي يوم يصبح فيه الإنسان بلا مأوى ولا سقف ولا حجاب عن الآخرين مهما كان شفّافاً ووهميّاً لدُهِشْتُ كأنني أقرأ حكايات «أندرسن» لكن من دون أن أستمتع بعمقها وأطيافها اللانهائيّة، ثم تلاشى ما سمعتُه، لعدم معقوليّته، إلا أن ما حصل هو أشدُّ وطأةً من التخيُّل وليس الخيال، فتخفيفاً كان اسم «الشَّبكة العنكبوتيّة» ومجازيّاً كان توصيف «القرية الصَّغيرة» فالشَّبكة والقرية ضاقتا بالمستخدمين الذين يتحدَّثون ويصخبون في الوقت نفسه وكلّ وقت، وفي العالم الأزرق هذا أقنعة غير مسرحية وحروب أخذت الأسوأ من أساليب الحروب البشريّة عبر التّاريخ، وقد يجدي القول إنها حطّمت كلّ ما بَنتْه البشرية من تناغم في المسافات بين البشر حيث ضاعت المسافات وغامت الوجوه وفقدت الحضور المنضبط، أكثرَ من تتبّع تفاصيل تأثيرها المتصاعد والمتمدّد على يوميّاتنا التي أصبحت كالرّحى تطحن أعصابنا وتشحنها وتفسد ترتيب أولويّاتها وتجعلنا نعوم في معامع ونحن نفقد مجاذيفنا يوماً بعد يوم، وما المعمعة في اللغة إلا صوت الحريق في القصب، أو هو الماء الذي تمعمع به السماء فينقضّ على الأرض ويجرف كلّ ما عليها، فما الذي سيبقى علينا بعد حين؟؟جريدة تشرين 2018-05-08

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق