الاثنين، 3 أبريل 2017


آفاق.. أبوابُه بروج
نهلة سوسو
 تسير قربَه دون أن تتعجَّل الخطا ، هي التي أمضت أزماناً تختلس رسائله من صناديق بريد مغْفَلة الأقفال ! الشَّمسُ في رائعة النّهار وهي تتبعه حتّى ينعطف قليلاً بين المنازل فتغدو في ظلّه العالي ! يسيران معاً كأنّهما ، في برِّيّةٍ واسعة خالية ، وحيدان لا ثالث لهما! خطاها خفيفة والنّسيم يسري ، لا يعلق بجناح ولا يمسُّ حصاة ولا يعبأ بمسافات عدا صوتَه الذي لا تعوقه ضوضاء السّابلة اللامبالية به كأنّه ما كان ! كأنّه لم ينهض في الحقبة الآراميّة الموغلة في الزّمن ليحضن بين ذراعيه حسناء النّجوم السّبعة ! زمانٌ غيرُ زمان وإلا ما كان هؤلاء العابرون نسوا لغته التي تبدّلت ، حثيثاً من الآراميّة إلى اليونانيّة فالرّومانيّة فالعربيّة .. ينبثق فجأة مرجٌ أخضر تحت قدميها فتقف وتثبّت ناظريها في حجارته الدّنيا .. الحجارة التي حيّرتها دائماً وأبداً في الأوابد والمعابد والقصور والقلاع والقناطر ! كيف استطاع إنسانٌ حمْلَها ونقْلَها ؟ كيف قُيِّضَ له أن ينحتَها ويجبرَها على أن تكون جميلة كلَّ هذا الجمال ؟ تتأمّل بتهيُّب الرّصْفَ الأنيق : أصغرَ فأصغرَ حتّى تكتمل القامة العالية ، مندغمةً بزرقة السّماء ، لكأنّه نسيج يدٍ واحدة ، قطّعَت ولمّعَتْ وعشّقَت الحجَرَ بالحَجَر دون أن تترك فيه سبيلاً لنملةٍ تسعى إلى وَكْرِها ! هنا وقف تيمور لنك عاجزاً عن تخطّيه ، وهنا حاصر نفسه بحصار الحجارة الصّلْدة الصّادّة ، حتّى عبره بالاحتيال والمكر والتّدليس ! تلمُس عشبةً خضراء على راحته : - أعرف أنّك لستَ مجرّد سور عتيق ، تبدَّلَ مقامُه حتّى صار كتحفة في خزانة ، فقد كنتَ ، بحقّ ، الحارس الذي صدّ الغزاة واللّصوص وأغلق دونهم أبوابه السّبعة ، وأيّة أبواب ! أبواب شُيّدَت من بروج السّماء : باب كوكب الزّهرة ، باب المشتري ، باب عطارد ، باب زُحَل ، باب المرّيخ ، باب القمر وباب الشّمس لمدينة قال فيها الإغريق إنّ طالعها بين النّجوم هو كوكب فينوس ربّة الحُسن والجمال ..
 مرّتْ أحقابٌ وقرون ودمشقُ مكنونة في حضنك كاللّؤلؤة ، تُقَصُّ اليد التي تمتدُّ إليها غدراً وتترك للتاريخ أن يسجّل : من هنا مرّوا قبل أن يندحروا أو يذوبوا في ماء نهر الذّهب الذي قدم إليها من جبالٍ ، يصعب أن تسلّم أسرار ينابيعها لمتطفّل ! وهنا كنت تحميها كأنك صدى قاسيون ومرآته ، وحين واصل نهر الزّمان جريانَه كما شاء له الخالق أصبحتَ منزلاً بين المنازل ولم تعد آخر جدار لمدينة الكواكب السّماويّة ، لأنّ سورها ، بل أسوارها المنيعة باتت من الرجال الذين لا يُقلقهم الليل ولا دبيب جحافل الغزاة التي لا يتوقّف قدومها من كلّ بقاع الأرض ، وكلُّ رجل منهم سورٌ وجبل ، كلُّ رجل منهم بابٌ أعتى من أبوابها السّبعة واسمه وفعله يرصّع السّماء أكثر من كواكبها الأزليّة وبروجها القصيّة ..
 تتلفّتُ حولها فترى دفْقَ البشر ، ذاهبين ، آيبين على عجل من الضواحي القريبة وباب المُصَلّى وحيّ الأمين : - ما ضاع صوتُكَ ، ولن يضيع مهما علَتْ الضّوضاء وأطبق النّسيان على الماضي ! – أيّها السّور المشَيَّد من القلوب والمآقي والياسمين والجوري ، كيف لجلالك أن يتلاشى ويحميك ، اليومَ ، رجال قطفوا نجوم السّماء ورصّعوا بها كتفيك ، فإذ بها خضراء ، خضراء كمروج وغوطتيْ نهر الذهب وقصائد الشّعراء وحبق الأمهات على شرفات المنازل ..جريده تشرين4-4-201

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق