آفاق..صيد الأرانب
نهلة سوسو
كان يروي واحدةً من قصصه الطريفة المخزونة في ذاكرة لا تمتُّ إلى شهادته العلميّة بِصِلة ، أنّ عابر سبيلٍ استوقف هرّاً يسابق الرّيح في الرّكض باتّجاه البرّيّة التي لا خَلْقَ فيها ولا أسباب عَيْش ، وسأله إلى أين تمضي بهذا الهَلَع فأجابه أنّ حاكم المدينة أصدر أمراً بسَلخ جلود الأرانب لصناعة معطف ملكيٍّ له ! دُهش عابر السّبيل : - لكنّك قِطّ ولستَ أرنباً ! – يا سيّدي ، إلى أن يعرف جُندُ الحاكم من أنا يكون جلدي في الدبّاغة !
الفكاهة التي زفّت القصّة بضحكات الجلوس ، كانت أليمةً بقَدْر الدّلالات التي حملَتْها ! وبدا الجُنْدُ هم لبَّ الحكاية وليس الحاكمَ والأرانب ! الجنْدُ الذين يحتشدون لتنفيذ الأوامر بحماسة ودون سؤال عن سياقها وجدواها ، وإذا ذهبوا لتنفيذها لم يتبصّروا ، وإذا أخطؤوا فات أوانُ تصويب الخطأ وإعادة الميزان و النّصاب !
في مملكة هذا العالم قرصانٌ أقام ولاياته الشّاسعة على ملايين الجماجم ، وأجرى الدّماء أنهاراً ، ما لبثَت أن أبحرت فيها سفنٌ مصنوعةٌ من جذوع الأشجار التي اجتُثّت من الغابات المدَمّرة لمدِّ سكك الحديد ، وحين تمطّى القرصان الذي سطا على القارّة ، وتثاءب ، رأى البرّ مرّة ثانية وراء البحار ، فخرج إليه طامعاً بثرواته ، مستخدِماً ما راق له من أقنعة القدّيسين والمخلّصين ، مطوّعاً حكاية الإبادة البشريّة التي مات شهودُها ، في سرْدٍ فلكلوريّ ، زخْرَفَهُ بصيحات الغابات تارة ، وبأكاليل الرّيش والخرز الملوّن تارة أخرى ، بعد أن جفَّ دم الضّحايا الذين لم يَبْكِهم أحد ولم يضفر لهم إكليل وردٍ من أرضهم الجميلة ، أو يُقِمْ لهم شاهدة قبر ، أحد !
وراء حمَلَة السّلاح الدّمويين ، فرّخَت إمبراطوريّة الإبادة جُنْداً ، لا يحملون البلطة ولا يستخدمون البارود ، بل امتشقوا الأقلام والكاميرات والنَّظريّات كي يصوّروا حاكمهم إلهاً ، لا رادَّ لمشيئته ، يجوس العالمَ كيف يشاء ويتملّك الأرض التي يرغب ، بمن عليها ، وبما في باطنها ، ومن يقاوم هذه المشيئة يجب أن يُباد ! وفيما يستريح جندُ السّلاح ، لا يعرف جندُ الاغتيال المعنويّ أيّ وقتٍ للرّاحة ! يضعون الشّخصَ المستهدَف على طاولة الشُّغْل ويبدؤون بعجن الصّلصال ، ليلطّخوا وجهه وسمعته وسيرته في الصّميم وهم يتوزّعون المهام : فيلم يصوّر بحرْفيّة بالغة تهافتَه على السّاقطات ! خبر عن قتله لأخيه في حادث سير غامض ! مقالة عن ثروته الخرافيّة ، في بلد يعاني أهلوه من الفقر المدقع ! تسريب عن وحشيّته في قتل أحد جنرالاته بقذيفة مدفع لأنّه تثاءب في مجلسه ! صارت الشَّيْطَنة حرفة مخدومة بعناية وخبرة ، بل صارت دولة خفيّة تتسلّط على خصومها بكلّ الوسائل الخشنة والنّاعمة ، دون أن تنتخب رئيساً يديرها ، أو تعيّنَ وزراء لتسيير شؤونها ، هي الأدرى ب " مواطنيها " الذين يُدارون كالقطيع ، بوعيٍ أو دون وعي ، لكأنّهم أولئك الجند الذين خرجوا لصيد أرانب معطف الحاكم ، وخاف القطُّ بفطْرَتِه الحذرة من عدم تمييزهم بين فراء الأرنب ووبَرِه الذي يمثّل وجوده وحياته ونجاته ، وحَدَس أنّ بعد وصول جلده إلى الدّبّاغة ، لن تنفعه ، حتّى محاسبة ومساءلة الفاعل ، ففي التّاريخ لم تحصل هذه المساءلة لتنهي العبث الذي وُلِد من إمبراطوريّةٍ أقامها ، في الأصل ، قراصنة ، ومنجزُها الأعظم مذابح وجماجم وفائض قوة تدميريّة ، لم يحاكم التّاريخ صاحبها بعد !جريده تشرين 18-4-2017
نهلة سوسو
كان يروي واحدةً من قصصه الطريفة المخزونة في ذاكرة لا تمتُّ إلى شهادته العلميّة بِصِلة ، أنّ عابر سبيلٍ استوقف هرّاً يسابق الرّيح في الرّكض باتّجاه البرّيّة التي لا خَلْقَ فيها ولا أسباب عَيْش ، وسأله إلى أين تمضي بهذا الهَلَع فأجابه أنّ حاكم المدينة أصدر أمراً بسَلخ جلود الأرانب لصناعة معطف ملكيٍّ له ! دُهش عابر السّبيل : - لكنّك قِطّ ولستَ أرنباً ! – يا سيّدي ، إلى أن يعرف جُندُ الحاكم من أنا يكون جلدي في الدبّاغة !
الفكاهة التي زفّت القصّة بضحكات الجلوس ، كانت أليمةً بقَدْر الدّلالات التي حملَتْها ! وبدا الجُنْدُ هم لبَّ الحكاية وليس الحاكمَ والأرانب ! الجنْدُ الذين يحتشدون لتنفيذ الأوامر بحماسة ودون سؤال عن سياقها وجدواها ، وإذا ذهبوا لتنفيذها لم يتبصّروا ، وإذا أخطؤوا فات أوانُ تصويب الخطأ وإعادة الميزان و النّصاب !
في مملكة هذا العالم قرصانٌ أقام ولاياته الشّاسعة على ملايين الجماجم ، وأجرى الدّماء أنهاراً ، ما لبثَت أن أبحرت فيها سفنٌ مصنوعةٌ من جذوع الأشجار التي اجتُثّت من الغابات المدَمّرة لمدِّ سكك الحديد ، وحين تمطّى القرصان الذي سطا على القارّة ، وتثاءب ، رأى البرّ مرّة ثانية وراء البحار ، فخرج إليه طامعاً بثرواته ، مستخدِماً ما راق له من أقنعة القدّيسين والمخلّصين ، مطوّعاً حكاية الإبادة البشريّة التي مات شهودُها ، في سرْدٍ فلكلوريّ ، زخْرَفَهُ بصيحات الغابات تارة ، وبأكاليل الرّيش والخرز الملوّن تارة أخرى ، بعد أن جفَّ دم الضّحايا الذين لم يَبْكِهم أحد ولم يضفر لهم إكليل وردٍ من أرضهم الجميلة ، أو يُقِمْ لهم شاهدة قبر ، أحد !
وراء حمَلَة السّلاح الدّمويين ، فرّخَت إمبراطوريّة الإبادة جُنْداً ، لا يحملون البلطة ولا يستخدمون البارود ، بل امتشقوا الأقلام والكاميرات والنَّظريّات كي يصوّروا حاكمهم إلهاً ، لا رادَّ لمشيئته ، يجوس العالمَ كيف يشاء ويتملّك الأرض التي يرغب ، بمن عليها ، وبما في باطنها ، ومن يقاوم هذه المشيئة يجب أن يُباد ! وفيما يستريح جندُ السّلاح ، لا يعرف جندُ الاغتيال المعنويّ أيّ وقتٍ للرّاحة ! يضعون الشّخصَ المستهدَف على طاولة الشُّغْل ويبدؤون بعجن الصّلصال ، ليلطّخوا وجهه وسمعته وسيرته في الصّميم وهم يتوزّعون المهام : فيلم يصوّر بحرْفيّة بالغة تهافتَه على السّاقطات ! خبر عن قتله لأخيه في حادث سير غامض ! مقالة عن ثروته الخرافيّة ، في بلد يعاني أهلوه من الفقر المدقع ! تسريب عن وحشيّته في قتل أحد جنرالاته بقذيفة مدفع لأنّه تثاءب في مجلسه ! صارت الشَّيْطَنة حرفة مخدومة بعناية وخبرة ، بل صارت دولة خفيّة تتسلّط على خصومها بكلّ الوسائل الخشنة والنّاعمة ، دون أن تنتخب رئيساً يديرها ، أو تعيّنَ وزراء لتسيير شؤونها ، هي الأدرى ب " مواطنيها " الذين يُدارون كالقطيع ، بوعيٍ أو دون وعي ، لكأنّهم أولئك الجند الذين خرجوا لصيد أرانب معطف الحاكم ، وخاف القطُّ بفطْرَتِه الحذرة من عدم تمييزهم بين فراء الأرنب ووبَرِه الذي يمثّل وجوده وحياته ونجاته ، وحَدَس أنّ بعد وصول جلده إلى الدّبّاغة ، لن تنفعه ، حتّى محاسبة ومساءلة الفاعل ، ففي التّاريخ لم تحصل هذه المساءلة لتنهي العبث الذي وُلِد من إمبراطوريّةٍ أقامها ، في الأصل ، قراصنة ، ومنجزُها الأعظم مذابح وجماجم وفائض قوة تدميريّة ، لم يحاكم التّاريخ صاحبها بعد !جريده تشرين 18-4-2017

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق