الاثنين، 24 أبريل 2017

آفاق.. قَتْلٌ معلَن
نهلة سوسو
سانتياغو نصّار ، أشدُّ الشّخصيّات " الماركيزيّة " حضوراً ووهجاً في عالمه الرّوائيّ ولو كرِهَ النقّادُ والقرّاء والمطالعون !
 ردّ " سانتياغو " عروسه إلى بيت أبيها ، صبيحةَ العرس ، لاكتشافه أنّه ليس الرّجل الأوّل في حياتها ، فعزم أخواها التّوأمان على قتله وأخبرا والدهما بطريقة وموعد القتل ، وعلم أهل القرية جميعاً ، بمن فيهم المغدور بتفاصيل الجريمة قبل حدوثها ، لكنّ أحداً لم يوقفها ، وتمّت في رائعة النّهار ، ومشى الجريح ، وهو يحضن أحشاءه بيديه حتّى سقط تحت أنظار المتجمّعين واحداً ، إثْرَ آخر !
 الشُّغْل الرّوائي المحترِف الذي أتاه " غابرييل غارثيا ماركيز " في " قصّة موت معلَن "سيترك انطباعاً بالألم العميق من التّواطؤ الذي يستهين بقداسة الحياة ، وشعوراً بالأمل أن لا يتكرّر هذا الخَرْق لحسِّ العدالة عند البشر ، قَتَلةً ومتفرّجين ! لكنّ الأمل ، ما كان يوماً صلباً ، وخالياً من بعض السّراب فالمهزلة تكرّرت ، ليس بشكلٍ معلَنٍ فحسب ، بل بفجور يفوق فجور الجريمة ذاتها !
 في الحرب الدّؤوب على سوريّة ، اشتغلت آلاتٌ جبّارة في التّحريض وتوظيف الغرائز وسيولة المال والسّلاح والغدر والمذابح الجماعيّة ، وبدا نبع الإمداد ، حتّى بالمرتزقة ، مثل النّاسور ، كلّما جفّت منه خلايا ، انفتحت خلايا جديدة على قيْحٍ وصديد : معارك " تحرير " . حفر أنفاق . خُوَذ بيضاء . هجوم تتار . أقاصيص كيماوي تُحْبَك على أيدي جزّارين ، مادّتُها أطفالٌ مخطوفون ، تبدأ الأيدي القاتلة معهم بالتّعرية من الملابس ثم الحَقْن فالتّصوير فصيحات التّهويل فحفلة جنون فيها مجون ، وإطلاق إشارة ينتظرها المشغّلون في مسرح هيئتهم الأمميّة ومنتفعاتها !
 تكرّرت قصة الطّاعون الأصفر في فواصل ، تُركَت احتياطيّاً لأيّام هزائمهم الميدانيّة المنكَرة ، وأُخرِجَت بنفس التّرتيب والسّيناريو وتمّ عرضُها دون تعديلٍ في المَشاهِد والفصول ولمسات الإخراج ، بل وحتّى الفواصل الإعلانيّة ، إلى أن حدَثت ثغرة قوّضَت الرّواية الإعلاميّة الكرتونيّة من ألفِها إلى يائها ، إذ كتب أحد الكومبارس " تغريدة " على الملأ : غداً ، تغطية لقصف المدنيّين بالكيماوي ... استعدّوا قصفاً ونعيباً و نحيباً و تلطيخاً وقذفاً وشتْماً ، فكلُّه محسوبٌ في " النّقْعِ "غباراً ساطعاً ، قَدِمَ من كهوف التّاريخ وصحارى القبائل المتنازعة التي ابتكرت أصلاً ، تعبير غبار النّقع ، وكان النّقع شفاءَ غُلّة العطش من ماء بئر بارد !
 هل فقدوا الحذر ، في القتل البشع الذي لا يرتوي من الدّماء ، إلى درجة إعلانه بهذا الفجور ؟ هل كان بعض " كومبارس " عمليّاتهم متحمّساً إلى درجة أنّه لم يُطِق صبراً ، بضع ساعات تلي منتصف ليلة الجريمة ، وانتهاء لمسات العرض الجنائزي الكبير ليكتب " تغريدته "؟ أم كان ساذجاً وغبيّاً ، يريد سَبْقاً إعلاميّاً يضعه بين " ملوك الإعلام " القتلة ؟ أم أنّ الآلة الكبرى لطاعون الإرهاب ما عادت قادرة على ضبط صغارها و قد تضخّموا في سوق التنافس على التحريض و " التّغريد " ؟ كلُّ الأسئلة بأجوبتها الحلوة والمُرّة ، تضع هذه الحرب في سياقٍ لم تتطوّر اللّغة بعد ، لتدوين وقائعها وأبطال قذارتها ، بما يشبهها و يَفيها حقّها ، ويُغلق صفحاتها الأخيرة بخاتمة ، ستبقى من أشدّ صفحات تاريخ البشريّة سواداً وسوءاً وبشاعة وعاراً على القيم التي أضنت الإنسانية حتّى وصلت إليها !جريده تشرين25-4-2017

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق