الاثنين، 1 مايو 2017

آفاق.. غامت ثم أشرقت
نهلة سوسو
 كم كانت تلك الممرّات مكتظّة بأشياء، بعضُها تكلّس ونما عليه طحلب، وبعضُها تحلَّل ولم يبْقَ منه إلا مساحيقُ مرارة وهباءٌ يعتصر القلب كلّما هبّت ريحٌ وهزّت غبارها الدّفين في الحشا!.
 في الممرّات نفسها كانت أزهارٌ تجدّد بتلاتها وبراعمها في أزمنة متفاوتة، لا تذكر تواريخها، لكنّها تشمُّ عطرها حين تكون في وحدتها المطلقة، وقد فهمت فيما بعد، حين قرأت أبحاثاً عن الذّاكرة، أنّ بعضها قريب واضح التّفاصيل، وبعضها بعيد، يغيم ولا يفصح إلا قليلاً، وحاولت أن تتعلّم من علماء النّفس كيف تطمس ذاكرة الألم وتنعش بذور السّكينة، وبين هذه النصيحة التي توصي بالاجتثاث والقَلْع، وتلك التي تدعو إلى التَّمسيد النّاعم الرّفيق، ملأت الأعوامُ الستّون الجُرْنَ والكأس حتى الطّفْح: مسرّاتٌ سحيقةُ البُعْد في طفولة هامت بجمال البراري حين يصخب شتاؤها بعواصفه ويضجُّ ربيعُها بزهره ومائه، ومعجزةٌ تكشّفت عن أوّل حرف فكّت معناه مذهولةً من اختصاره للحواس بالتجريد والمعنى!.
 في هذه الممرّات الغامضة، المعقّدة، المتعرّجة، المعتمة، المضيئة، سكنت أحزانٌ وأفراحٌ ونجاحاتٌ وإخفاقاتٌ وحبٌّ وكراهية ودموعُ فَقْدٍ ولقاءاتٌ مبهرة ووداعاتٌ لا لقاء بعدها.. لكنّها على منعرجات السّنوات السّبع الأخيرة دُهِشَت من انزياح ما تراكم فيها منذ ستّة عقود! شيئاً، فشيئاً أزال الحَتُّ البطيء رسوبيّات الذّاكرة التي كانت ناعمة وخشنة وبألوان حارّة وباردة وأشرق في مواضعها لونُ بذلةٍ ممهورة بجذوع السّنديان! واختفت آلاف الرّوايات وآلاف العناوين وآلاف الشّخصيّات التي انتحَلت، بلغة الأدب والنّقد صفة الأبطال وحلّ مكانها بطلٌ لم تجد له صفة موائمة في كلّ قراءاتها: ماردٌ؟ جَسورٌ؟ رسولٌ؟ إله أولمب؟ واختفى كذلك سحر المدائن بمعابدها وطُرُزِها وأقواس نصرها وأوابدها حين رأت أنّ الأرض مسكنُه على اتّساعها في البراري والسُّفوح وعلى القُنَن، لا سقفٌ واطئٌ يحجبه عن السماء ولا جدارٌ يداريه من الحرّ والقرّ…
 أمّا رداؤه على بدنه فلا يهترئ ولا يبلى، وطعامه متواضع لكنّه على مائدة، كلّما نقص رغيفها وقدَحُها جاءها مدَدٌ من قمح وماء مقَدَّسَيْن لا ينضبان، وإذا استدار للجهات الأربع، سطعت عيناه المتَّقدتان كنجوم السّماء الأزليّة وجاست قدماه الصّخرَ فتفتّت قبل أن تبلغا الحصباء والرّمل والماء، متحوّلاً إلى دُرَرٍ لبثت طويلاً في بطون المناجم! وإذا سجى اللّيل تلاشت سيمفونيّات المسارح التي كانت تهزّ وجدانها بعصا المايسترو أكثر من الألحان، وهزَجَ الجمر تحت إبريق مائه الذي لوّحته نار الحطب في استراحة بين ملحمة وملحمة!.
 تنظيف الذّاكرة وإعادةُ ملئها أمر مستحيل! هكذا قطع خبراؤها الأمرَ على كلّ حالمٍ ومتمنٍّ بل وقالوا إنّ تنظيفها هو موت لا حياة بعده، والممكن هو المعالجة بالإيقاظ.
 حتى لو كان في أتون الألم، لكنّها تعي جيّداً أن ما سكن ذاكرتها قد تقوّض برمّته وقبل أن يفعل غام طويلاً وظنّت أنّها راغبة في الرّحيل عن العالم بعد أن انتُزِع منها بيتها وكلُّ وسائل استقرارها قبل أن يشرق هو كما تشرق الشّمسُ العنيدة الجبّارة النقيّة واقفاً في وجه الأعاصير، منساباً كالضّوء في الدّيجور، ممسكاً بأصابعه عناصر الكون الأولى ليعيد تشكيله كما يجب أن يكون، خالياً من الشرّ، عادلاً، متوازناً، فسيحاً، كي يجد الفرح الإنسانيّ موطناً له على الأرض، وتجده هي ملء وعيها وذاكرتها..جريده تشرين 2017/05/2

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق