آفاق. أسير
نهلة سوسو
بكَت بجفونها المُقرّحة غيرَ مبالية بالدّاخلين والخارجين ، وصوت المقرئ العذب ينتزع من أحشائها ما تبقّى من ماء الحياة ! وهكذا فعلت منذ أيّام حين دخلت الكنيسة ، متّشحةً بسوادها الذي لم تخلعْه منذ ثلاث سنوات ! فقط حين سمعت قرع الأجراس ورأت شبّاناً يحملون صورة الصبيّة ، مذهلة الابتسامة والنّور المشعّ من الجبين والعينين والشّعر المنسدل على الكتفين غيّرت طريقها ودخلت لحضور القدّاس ! هذه الملاك لابدّ قضت شهيدة ! وهي ، منذ غاب عن عينها أودع في قلبها بذرة صغيرة ، تماماً كتلك البذور التي كان يحضنها في كفّه ويروزها قبل أن يضعها في التّراب وصوته يُحضِرُ الزّمن الذي لم يأتِ بعد : حين سنشرب المتة هنا ، على هذه المصطبة سترين الرّيحان تحت ناظريك ومثله إكليل الجبل !
كم من الجنازات والوداعات حضرت ، منذ أخذوه في لمح البصر ! لم تعد تتذكر تلك الثانية من الزّمن التي ابتلعته ، في القيامة التي أقاموها في المدينة العمّاليّة ! كان بجوارها حين اقتحموا الأبواب واستباحوا غرف النّوم والحمّامات وساقوا نساءً إلى السّاحة العامّة بعد تمزيق ملابسهنّ ورموا أطفالاً في الأفران الموقدة وهي تتحسّس ثوبها المنزليّ ولا تعرف إن كانت بينهنّ في السّاحة أم مازالت في البيت ، لكنّها ترى بين الصّور المختلطة والصّراخ المتفجّر في مدخل البناء وهم يجرّون جيرانها واحداً ، واحداً ، وجهَه المكفهرّ وهو يمسك بطفلَيْه ، طفلَيْها ، يحاول أن يحميهما في خزانة ! بين صناديق الكرتون التي حشَتْها بملابس الصّيف ! قرب الجدار الرّاشح بالرُّطوبة ! حتّى إذا جرّوا الجار المُسنّ ولِحاهُم تقطر عرَقاً ولعاباً وشتائم ، فقدت أثَرَه واقتعدَت على صندوق الزيتون الخشبي الفارغ الذي وصلهم من القرية ، تنتظر معجزة ! لا شيء غير معجزة سيعيد ترتيب الزّمن كما كان و تقول لها : كان كابوساً ! مجرّد كابوس !
اختلطت الأزمنة في وعيها حين أمضت أيّاماً في مأوى المهَجّرين ، هل أنقذ الجارَ المُسنّ ؟ كيف ومتى خرجت من هناك ؟ ومن أوصلها إلى الولدين ؟ وكم مرّ من الأيام حتّى فهمت أنّهم لم يقتلوه ، بل هو حيٌّ ، ساقوه إلى سجن اسمه " التّوبة " ! ثلاث سنوات ، لا حسّ و لا خبَر ولا نوم ولا يقظة ولا جوع ولا عطش ! ثلاث سنوات ، هي هوّةٌ أرضيّة سحيقة من غاب فيها راح يهوي دون أن يبلغ القَعْر ! هي محيطٌ من سوادٍ ليس له شواطئ ، يفتّت ويذيب في أمواجه الرّخوة أعتى قوّة مليئة بالحياة ! هي أملٌ ينوس كذبالة عصيّة على الاشتعال ! هي يأس يحتُّ العظام والذاكرة ويطفئ زيت السّراج ! لكنّها في أهوال الحرب وأوجاع البشر ترى في لياليها الطّويلة الباردة بقعةً في روحها تشبه بذوره الثمينة ، فتواظب على الانتظار وكي تنقضي الأيام فلا تغادر قبل أن تراه ، صارت تشيّع الشهداء حيث تكون ويكون شهيد ! تريد أن تحتسي الفراق مع الأمهات والآباء والزّوجات والحبيبات ليستقيم وجعها كما ينبغي له أن يستقيم قبل أن تصرخ في وجه العالم الظالم الذي رآهم في أقفاص ولم يحرك ساكناً : هذا ليس أسيراً لأن سجّانه ليس بشَراً ! هذا ليس شهيداً لأن الشهيد يصعد مرّة واحدة كمُهْل البركان ! انزعوا قشرة الأرض وهاتوه من جوفها لأنه كان كريماً وشجاعاً ، وفي أقفاصهم تموت الشجاعة والكرامة ، وتسقط الخوافي والقوادم من ريش كان قويّاً ، زمَن التحليق ..جريده تشرين 9-5-2017
نهلة سوسو
بكَت بجفونها المُقرّحة غيرَ مبالية بالدّاخلين والخارجين ، وصوت المقرئ العذب ينتزع من أحشائها ما تبقّى من ماء الحياة ! وهكذا فعلت منذ أيّام حين دخلت الكنيسة ، متّشحةً بسوادها الذي لم تخلعْه منذ ثلاث سنوات ! فقط حين سمعت قرع الأجراس ورأت شبّاناً يحملون صورة الصبيّة ، مذهلة الابتسامة والنّور المشعّ من الجبين والعينين والشّعر المنسدل على الكتفين غيّرت طريقها ودخلت لحضور القدّاس ! هذه الملاك لابدّ قضت شهيدة ! وهي ، منذ غاب عن عينها أودع في قلبها بذرة صغيرة ، تماماً كتلك البذور التي كان يحضنها في كفّه ويروزها قبل أن يضعها في التّراب وصوته يُحضِرُ الزّمن الذي لم يأتِ بعد : حين سنشرب المتة هنا ، على هذه المصطبة سترين الرّيحان تحت ناظريك ومثله إكليل الجبل !
كم من الجنازات والوداعات حضرت ، منذ أخذوه في لمح البصر ! لم تعد تتذكر تلك الثانية من الزّمن التي ابتلعته ، في القيامة التي أقاموها في المدينة العمّاليّة ! كان بجوارها حين اقتحموا الأبواب واستباحوا غرف النّوم والحمّامات وساقوا نساءً إلى السّاحة العامّة بعد تمزيق ملابسهنّ ورموا أطفالاً في الأفران الموقدة وهي تتحسّس ثوبها المنزليّ ولا تعرف إن كانت بينهنّ في السّاحة أم مازالت في البيت ، لكنّها ترى بين الصّور المختلطة والصّراخ المتفجّر في مدخل البناء وهم يجرّون جيرانها واحداً ، واحداً ، وجهَه المكفهرّ وهو يمسك بطفلَيْه ، طفلَيْها ، يحاول أن يحميهما في خزانة ! بين صناديق الكرتون التي حشَتْها بملابس الصّيف ! قرب الجدار الرّاشح بالرُّطوبة ! حتّى إذا جرّوا الجار المُسنّ ولِحاهُم تقطر عرَقاً ولعاباً وشتائم ، فقدت أثَرَه واقتعدَت على صندوق الزيتون الخشبي الفارغ الذي وصلهم من القرية ، تنتظر معجزة ! لا شيء غير معجزة سيعيد ترتيب الزّمن كما كان و تقول لها : كان كابوساً ! مجرّد كابوس !
اختلطت الأزمنة في وعيها حين أمضت أيّاماً في مأوى المهَجّرين ، هل أنقذ الجارَ المُسنّ ؟ كيف ومتى خرجت من هناك ؟ ومن أوصلها إلى الولدين ؟ وكم مرّ من الأيام حتّى فهمت أنّهم لم يقتلوه ، بل هو حيٌّ ، ساقوه إلى سجن اسمه " التّوبة " ! ثلاث سنوات ، لا حسّ و لا خبَر ولا نوم ولا يقظة ولا جوع ولا عطش ! ثلاث سنوات ، هي هوّةٌ أرضيّة سحيقة من غاب فيها راح يهوي دون أن يبلغ القَعْر ! هي محيطٌ من سوادٍ ليس له شواطئ ، يفتّت ويذيب في أمواجه الرّخوة أعتى قوّة مليئة بالحياة ! هي أملٌ ينوس كذبالة عصيّة على الاشتعال ! هي يأس يحتُّ العظام والذاكرة ويطفئ زيت السّراج ! لكنّها في أهوال الحرب وأوجاع البشر ترى في لياليها الطّويلة الباردة بقعةً في روحها تشبه بذوره الثمينة ، فتواظب على الانتظار وكي تنقضي الأيام فلا تغادر قبل أن تراه ، صارت تشيّع الشهداء حيث تكون ويكون شهيد ! تريد أن تحتسي الفراق مع الأمهات والآباء والزّوجات والحبيبات ليستقيم وجعها كما ينبغي له أن يستقيم قبل أن تصرخ في وجه العالم الظالم الذي رآهم في أقفاص ولم يحرك ساكناً : هذا ليس أسيراً لأن سجّانه ليس بشَراً ! هذا ليس شهيداً لأن الشهيد يصعد مرّة واحدة كمُهْل البركان ! انزعوا قشرة الأرض وهاتوه من جوفها لأنه كان كريماً وشجاعاً ، وفي أقفاصهم تموت الشجاعة والكرامة ، وتسقط الخوافي والقوادم من ريش كان قويّاً ، زمَن التحليق ..جريده تشرين 9-5-2017

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق