آفاق.. متلازمة لغـويّة
نهلة سوسو
لم أقع يوماً في وهْمِ أنّني عرفتُ لغتي الأمّ كما يجب أن تُعرفَ الأمُّ البحرُ الذي في أحشائه الدرُّ كامنٌ لأنّه عسيرٌ على أيّ ملّاحٍ أو بحّار أو حتّى قبطانٍ، أن يختبر في البحر كلَّ موجةٍ فكيف بكلِّ قطرةِ ماءٍ، وهو ليس ببحرٍ إلا مجازاً، لأنّه أوقيانوس يغطّي الوجود الرّوحيّ والإنسانيّ برمّته، ولا يعطي كلّ أسراره حين يموج أو ينحسر عن يابسة أو يبرز جزيرةً صغيرةً في أغواره العميقة!.
يمضي العمرُ سنواتٍ، بل عقوداً تبني فيها اللغةُ كيانها بتسارعِ وَطْءِ عتباتِ التجارب، وتتجمّع ذخيرتُها في الذّهن لتُستَخْدَمَ في مواقيتها وهي من اللّيونة والسّلاسة والطّوعيّة، تعطي كمّيّةً كافية للاستخدام اليوميّ، وتمنح مفرداتها وتراكيبها للكبير والصّغير، للتلقائي والمتكلّف، لكن ما إن تتجه إليها عينٌ وهي مدوّنة في نصٍّ مكتمل، حتى يتبدّل المنظور من مَشاهِدَ مألوفة ومبتَذَلة إلى مصاغٍ رفيعِ الزّخرفة والترصيع، ولأنّها كذلك أُلِّفت المعاجم وجُمعَتْ الألفاظُ وشُرحت في أُطرها الزّمنيّة، لحاجة ابن اللغة إلى مسعف ومعين يأخذه إلى المنابع، يقوِّمُ الخلْطَ والغموضَ والاشتباه! وكنتُ أتنزّه في تلك المعاجم بمتعةِ قراءة روايةٍ عظيمة لأنها رغم وصْمِها بالجمود والمدرسيّة، هي روايةٌ للزّمان منذ أتى الإنسان معجزة الأسماء والتسميات وقد مرّت بي لحظاتُ وهْمٍ بالاستكفاء، حين خفّت حاجتي إلى البحث في المعاجم حتى وقع بين يديّ كتابُ الثعالبيّ أبي منصور «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب»، ويا لَلُّغة حين تخرج من أستارها بهيّةً، أخّاذةً، خلّابة!
تناثر حولي أبناءٌ وبناتٌ كانوا يمرّون بي مرور الكرام حتّى أخرجهم من عمق التّراث وأعطاهم أسماءهم مع قصصها وطُرَفِها فسقى أمام عيني حدائق جافّة، ما لبثت أن أطلقت أزهارها كسنا البرق يُزري بالظّلام: ابن الماء: كلُّ طائر يألف الماء. ابن اللّيالي: القمر. ابن ذُكاء: الصُّبح. ابن الغمام: البَرَد. ابن الغِمْد: السّيف. بنو الدُّنيا: النّاس. بنو الأيّام: أهلُ العصر. أبناء الدّهاليز: كناية عن الأراذل الأنذال أبناء الزَّواني. ابنة الجبل: هو الصّدى يجيب المتكلّم بين الجبال وقد قيل: كبنتِ الجبل مهما تَقُلْ، تَقُلْ! بنت الفكر: الرّأي والشّعر. بنات اللّيل: الأحلام. بنات الماء: هي ما يألف الماءُ من سمكٍ وطيرٍ وضفادع وأحياء. بنات اللّهو: الأوتار. بنات العين: الدّموع.
وكانت العربُ تستعير في كلامها الماءَ، لكلّ ما يحسُنُ موقعه ومنظرُه ويعظمُ قدْرُه ومحلُّه فتقول: ماء الشّباب وماء السّيف وماءُ الحَيا وماء النّعيم كما تستعير الاستسقاء في طلب كلّ خير!. هَمَت التعريفات المتلازمةُ بمرافقة أحلى الحكايات، كما لو أنّها بناتُ دِيَمٍ تسكب عطرها، حتّى على كلّ ميت أو صامت وساكن في حوزة البيت الحزين، وكما تفعل الأمُّ حين تحنو وتحضن وترتّل تهويدتها، طارت الفراشات وتلامست الأزهار البرّيّة وقالت المتلازمات اللّغويّة، لو كتب أبو منصور كتابه هذا، في هذا الزّمان لوضع على رأسي درّة ما اختار: سوريّة الجيش العظيم! وبعدها أغمار حكايات عن هذه العظمة، وليس مجرّد حكاية قصيرة كحكاية بنت الجبل صاحبة الصّدى وخرزات الملوك و«تيه المغنّي» و«طوق الحمامة» رغم جمالها وديمومة بقائها!.جريده تشرين 2017/05/23
نهلة سوسو
لم أقع يوماً في وهْمِ أنّني عرفتُ لغتي الأمّ كما يجب أن تُعرفَ الأمُّ البحرُ الذي في أحشائه الدرُّ كامنٌ لأنّه عسيرٌ على أيّ ملّاحٍ أو بحّار أو حتّى قبطانٍ، أن يختبر في البحر كلَّ موجةٍ فكيف بكلِّ قطرةِ ماءٍ، وهو ليس ببحرٍ إلا مجازاً، لأنّه أوقيانوس يغطّي الوجود الرّوحيّ والإنسانيّ برمّته، ولا يعطي كلّ أسراره حين يموج أو ينحسر عن يابسة أو يبرز جزيرةً صغيرةً في أغواره العميقة!.
يمضي العمرُ سنواتٍ، بل عقوداً تبني فيها اللغةُ كيانها بتسارعِ وَطْءِ عتباتِ التجارب، وتتجمّع ذخيرتُها في الذّهن لتُستَخْدَمَ في مواقيتها وهي من اللّيونة والسّلاسة والطّوعيّة، تعطي كمّيّةً كافية للاستخدام اليوميّ، وتمنح مفرداتها وتراكيبها للكبير والصّغير، للتلقائي والمتكلّف، لكن ما إن تتجه إليها عينٌ وهي مدوّنة في نصٍّ مكتمل، حتى يتبدّل المنظور من مَشاهِدَ مألوفة ومبتَذَلة إلى مصاغٍ رفيعِ الزّخرفة والترصيع، ولأنّها كذلك أُلِّفت المعاجم وجُمعَتْ الألفاظُ وشُرحت في أُطرها الزّمنيّة، لحاجة ابن اللغة إلى مسعف ومعين يأخذه إلى المنابع، يقوِّمُ الخلْطَ والغموضَ والاشتباه! وكنتُ أتنزّه في تلك المعاجم بمتعةِ قراءة روايةٍ عظيمة لأنها رغم وصْمِها بالجمود والمدرسيّة، هي روايةٌ للزّمان منذ أتى الإنسان معجزة الأسماء والتسميات وقد مرّت بي لحظاتُ وهْمٍ بالاستكفاء، حين خفّت حاجتي إلى البحث في المعاجم حتى وقع بين يديّ كتابُ الثعالبيّ أبي منصور «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب»، ويا لَلُّغة حين تخرج من أستارها بهيّةً، أخّاذةً، خلّابة!
تناثر حولي أبناءٌ وبناتٌ كانوا يمرّون بي مرور الكرام حتّى أخرجهم من عمق التّراث وأعطاهم أسماءهم مع قصصها وطُرَفِها فسقى أمام عيني حدائق جافّة، ما لبثت أن أطلقت أزهارها كسنا البرق يُزري بالظّلام: ابن الماء: كلُّ طائر يألف الماء. ابن اللّيالي: القمر. ابن ذُكاء: الصُّبح. ابن الغمام: البَرَد. ابن الغِمْد: السّيف. بنو الدُّنيا: النّاس. بنو الأيّام: أهلُ العصر. أبناء الدّهاليز: كناية عن الأراذل الأنذال أبناء الزَّواني. ابنة الجبل: هو الصّدى يجيب المتكلّم بين الجبال وقد قيل: كبنتِ الجبل مهما تَقُلْ، تَقُلْ! بنت الفكر: الرّأي والشّعر. بنات اللّيل: الأحلام. بنات الماء: هي ما يألف الماءُ من سمكٍ وطيرٍ وضفادع وأحياء. بنات اللّهو: الأوتار. بنات العين: الدّموع.
وكانت العربُ تستعير في كلامها الماءَ، لكلّ ما يحسُنُ موقعه ومنظرُه ويعظمُ قدْرُه ومحلُّه فتقول: ماء الشّباب وماء السّيف وماءُ الحَيا وماء النّعيم كما تستعير الاستسقاء في طلب كلّ خير!. هَمَت التعريفات المتلازمةُ بمرافقة أحلى الحكايات، كما لو أنّها بناتُ دِيَمٍ تسكب عطرها، حتّى على كلّ ميت أو صامت وساكن في حوزة البيت الحزين، وكما تفعل الأمُّ حين تحنو وتحضن وترتّل تهويدتها، طارت الفراشات وتلامست الأزهار البرّيّة وقالت المتلازمات اللّغويّة، لو كتب أبو منصور كتابه هذا، في هذا الزّمان لوضع على رأسي درّة ما اختار: سوريّة الجيش العظيم! وبعدها أغمار حكايات عن هذه العظمة، وليس مجرّد حكاية قصيرة كحكاية بنت الجبل صاحبة الصّدى وخرزات الملوك و«تيه المغنّي» و«طوق الحمامة» رغم جمالها وديمومة بقائها!.جريده تشرين 2017/05/23

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق