آفاق..ماأحلى شوارعنا
نهله سوسو
نهله سوسو
منذ كذبت عليه أوّل مرّة وقالت له : أنا بخير ، واصلَت الكذب في اتّجاه واحد ، مع هبوب كلّ ريحٍ وكلّ خبر!
كانت حزينةً جدّاً على شجرة الإجاص غير الأنيقة في حديقة الجيران ، وحين أخرجتها القذائف وحشرجات " الله أكبر " من بيتها ، لم تعد ، للغرابة ، تتذكّر إلا تلك الشّجرة الكامدة التي لا جمال في أزهارها ، ينافس اللّوز والمشمش والجلّنار ، لكنّها ، حين فُرّقَ بينهما أدركت أنّها كانت ساعتَها الكونيّة التي تضبط مواقيت الفصول ، ففي برهة من العمر عاشتها بآلام مبرّحة قالت لها الشّجرة ذاتها : لقد أزهرْتُ وأثْمَرْتُ وعرّاني الشّتاء خمس مرّاتٍ وشبّاكك مغلق ، صامت !
لم ينفسحْ بينها وبينه وقت لتحدّثه عن هذه التفصيلة من بين آلاف التّفاصيل التي تحاصرها ، رغم أنّه يعيش معها على مدار السّاعة وهو بعيدٌ وقلِق ، فمن العسير أن تضعها في سياق حين يتّصل للاطمئنان عليها ، ومن السّهل أن تدوم لعبة الكذب فهي لا تعيش في كرة بلّوريّة وكلّ الأخبار تصله ، ربّما قبل أن تسمع بحصولها !
عمّ الخراب أحياءً ، كانت مدن سحْرٍ تستكشفها كل ساعة ! حفظَت أرصفتها ، بتعدّي الدّكاكين عليها ، والبسطات التي ، في فوضاها وقطعها وألوانها أيادي بشريّة تنتزع رزقَها من الصّخر ، والانهدامَ المفاجئ للوح حَجَرٍ انزلق فوق الإسفلت ومازال منسيّاً منذ سنوات ! حفظَت حتى روائح الدّكاكين تميِّزُ واحداً عن الآخر كرائحة الملابس الشخصيّة ! بائع المكسّرات التي تفوح برائحة البهار والقرفة ! وبائع الجبن الذي شزرها بنظرة استنكار حين قالت له إنّ في الجبن طعمَ مسحوقِ غسيل فيه عطر زنبق ! كانت تسلّم نفسها لكلّ هذا الصّخب البلديّ وهي تتسوّق قبل أن تكتشف دائماً أنّها عاجزة عن العودة بأحمالها الثّقيلة ! لم تخبرْه بالخراب الذي أحدثوه وصار يبعث بريحٍ يجثم على الصّدر والأنفاس ويطمس الذّاكرة : أنا بخير !
عسيرةٌ هي التّفاصيل إذا فكّرت بسردها ، ولن تفكّر! لا جدوى ! لا فائدة!
تقف قرب الحاجز الترابيّ المنافي للمنطق وهي تحاول هندسة المكان في ذاكرتها واستعادة المداخل الضّائعة وعربات الباعة الجوّالين وأقفاص الكناري على الشّرفات فتفاجئها رائحة كجنّيّة الحذاء الماسيّ لطفلة المطبخ البائسة ! تسأل الجنديّ الواقف قربها : - أكاسيا ؟ فيبتسم : - أزهرت شجرة الأكاسيا هناك ! تعُبُّ الرائحة لتوصلها إلى حويصلات قصَباتها .. فيسري سُكْرٌ خفيف يجعل حتى سلاميّاتِ أصابعها ، دافئة ! ثم تأتيها رشقةُ عطرٍ تستقرّ بلمح البصر في حلقها : - رائحة إكليل الجبل ؟ يبتسم ويده في حوض عميق مرتَجَل أمام المحْرَس : - أزهر منذ أيّام . تستسيغينه مع المتّة ؟ - أين أنا ؟ رائحة ياسمين ! رائحة زهر الليمون ! رائحة نعناع ! قل لي هل لذلك الزهر البنفسجيّ على المظلّة الوارفة ، رائحة ؟ - إذا اقتربتِ منه ، نعم ! إنه زهر الزنزلخت ! – كلُّ هذا مع رائحة القهوة النفّاذة المتدفّقة من المحمصة المخبّأة وراء المنعطف ؟
نهضت الشوارع الميّتة من أكفانها وتماوجت سحب العطور ، تُزيل الغبار والأسى ، وشعشع الأثير بأضواء رأتها في عينيه ،حديقتي العسل الأشهب والحبَق الأخضر : - ما أحلى شوارعنا ! قالها وهو يقدّم لها الكأس الساخن ولم يَدُرْ في خلَدِه قَطّ أنها صارت أكثر ثقةً وأكثر صدقاً وتلقائيّة حين ستقول له كلّما اتصل : أنا بخير .. صدّقني أنا بخير !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق