الاثنين، 1 يناير 2018

آفاق.. مـوليّـا
نهلة سوسو
حين بزَغَ الفجر شعر بالأمان! لا شيء استجدَّ إلا الضّوء الشّحيح، لكنّه شعر بالأمان وصار في وسعه أن يُبعِد ظهره عن الصّخرة المائلة، المصقولة في وسطها، غير ملتئمة الجروح في أطرافها، ورفيقه الذي لم يكف عن الكلام طوال اللّيل، قد ذبُل أخيراً ولوّح بذراعه ثمّ خفضها وهو يتمدّد متسائلاً: أتراهم سيأتون في وضح النّهار أم سينتظرون حلول اللّيل؟ كان قد انتصب بكلّ قامته وسرّح الطّرْف حيث بوسعه أن يصل… ما بال هذه الدّهشة تأخذ بيده كطفلٍ وضع قدميه في حفرة رملٍ فإذ بها تفضي إلى شاطئ أساطير، مواطِئُه كريستال ورماله مسحوقُ تبر؟ هل بات في أرضٍ وأفاق في أرضٍ أخرى؟ بالأمس لم يرَ الأرض بهذا الاتساع ولا هذه الحجارة التي دقّتها الرّيح وغسلتها السّيول ثمّ نثرتها لتبحث عن ظلال ورطوبة عاقر! بالأمس لم يرَ خطَّ الأفق المنسال تحت السّماء، يكاد يشرئبُّ إليها ويمسك زرقتها بأصابعه! بالأمس تركوهم، ثلاثتهم، من أجل مهمة رصد ومضى اللّيل الطّويل، كأنّهم عقارب ساعة ترغب في التّسارع والقفز خارج مسارها، لكنّها لا تقوى إلا على التكتكة الرّتيبة، ولولا أنّ هذا الفتى الذي أغفى منذ قليل من دون أن يسمع إجابة عن سؤاله، أخذ الحديث بكلّ «أطرافه» لم يمضِ اللّيل بهذه الخفّة! كان يروي، ويا له من راوية! صادقاً كان؟ خياليّاً كان؟ مدّاحاً؟ هجّاءً؟ راضياً؟ ساخطاً؟ حكواتياً؟ جاهلاً؟ عارفاً؟ غابت تفاصيل الحكايات وغرقت أسماء أبطالها في فوضى التفاصيل والتفرُّعات من دون أن يهتمّ بسامِعَيْه، خاصةً الكهل الهادئ الذي أمضى عمره في ميادين القتال والخطر، لكنّه يدرك الآن بعد إغفاءة الفتى، أنّه قاصٌّ من طراز رفيع وربّما سيقول له ذات يوم: اكتب حكاياتك لأنّ كبار الكتّاب بدؤوا مجدهم من قصص الجبهات!
أدار ظهره لرفيقه الهادئ كلون البادية، حين أطبق الصّمت، ليصغي إلى الأرض وقد سرى فيها دفء النّجم الهائل الثّابت، تدور حوله الأرضُ نفسها التي يقف عليها الآن ثابتاً، وأغمض عينيه يداري صقيع نسمة فإذ بصوتٍ شجيّ عميق يطلع بهدوء، ثمّ بدفْقٍ كأن الينابيع الخفيّة تسلّلت معه من باطن الأرض، وكانت «الموليّا» تنشر سحاباتٍ أسرعَ من القطا، وطاف الصّوت بكلمات الشّجن التي خبِرها من أغاني المهد والزرع والوداع، حتّى تململ النائم وفتح عينيه متبسّماً: طاب عيشك يا عمّي!
بدا الرّجال الثلاثة في وهج الشّمس الطالعة، فرساناً عادوا لتوّهم من قمم الجبال وقد انحدرَت جيادُهم إلى حيث مسقى الماء وهم يغسلون وجوههم بماء النّدى، وما لبثت أوتار الصّوت أن دوزَنَت أرفع النّغمات، فمشى الفارس بعيداً عن الصّخرة المتطاولة، كأنّه يتبع تلك الأوتار الطّليقة وغنّى: «هَيْ قالوا يا مليحة، يا مرَشْرَشة بريحة» فهتف الفتى: زدنا! زدنا! ما أشدّ الشّوق للعطر البعيد! ما هذه البهجة التي أتتهم على غير انتظار؟ ما هذه الصّور التي أقبلت حشوداً، من أطفال كانوا يحتفلون بالأعياد، ومن أعلامٍ كانت تخفق بالملايين في إحدى السّاحات، ومن مواكب أعراس يغيب منها كل شيء عدا ثنايا ثوب الزّفاف الأبيض، ودانتيل الثّوب الأبيض…كلُّ هذا النّبيذ المعتّق في صوت الكهل الذي فهم لتوّه لماذا يطيل صمته حين يتحدّث المتحدّثون، وحين التفت إلى رفيقيه بكامل قامته رأى بريق دمعتين في عينيه، فأدرك أنه يتذكّر كما يتذكّر سامعاه، لكنّه لم يوسّع خطوته ليذهب إليه يعانق حنينه الغامض إلى أحبّته، لأنّ صفيراً حادّاً مفاجئاً عبر بخطٍّ مستقيم واستقرّ في رأسه فأسكت الصّوت المثخن بالتّباريح…
حدّق الفتى طويلاً، طويلاً في الأفق البعيد ثم التفت: استُشهد وهو يغني؟ جميل أن نموت ونحن نغني./ جريده تشرين 2018/01/2

هناك تعليق واحد: