افاق..للبيوت أرواح
نهله السوسو
نهلة سوسو عدد المشاهدات : 19
وهي تترقّبُ الأخبار، كانت تعالج توتّرَها العالي، بالأعمال التي كرّرتْها آليّاً عشرات المرّات! تعيد ترتيب فناجين الشّاي التي غسلتها بعد انصراف الأولاد إلى المدارس، وتفتح خزائن الجدار ثمّ تغلقها، ثمّ تجد نفسها في غرفة نومهم، تمسّد أغطية الأسرّة متسامحةً مع عجَلتِهم إلى مائدة الفَطور المتقشّفة: – ماما، الخبز يتفتّت قبل أن نغمسه بالزّيت والزّعتر! هي تعرف أنّ نواقص البيت تزداد كلّ يوم لأنّ انتباهها مرصود لغيابه! كيف تتذكّر الخبز وحلوى الحقائب المدرسية والفاكهة والصّابون وهو محاصَرٌ منذ أسبوع وقد اعتادت في أوقات مناوباته الطّويلة التي تتحوّل أحياناً إلى حصار، أن تنقطع الاتّصالات بينهما، لكن إلى حين، إذ ما يلبث الهاتف الأرضيّ أن يزغرد ويقول صوتٌ، با
سيادة العقيد بخير وسيتحدّث إليك عندما يستطيع! ترهف سَمْعَها لتلتقط أكثر من صوت العسكريّ المستعجل: صوتَ الرّصاص! صوتَ القذائف! صوتَ الاشتباكات! وكم طالت اليوم ساعاتُ طوافها حول الهاتف الصّامت، تجوس كلَّ زاوية في البيت البارد، الخالي، المرهِقة درجاتُ طوابقه الخمسة، التي كرهَتْها لأنّها تتعب ساقَه المصابة، كأنّ الرّنينَ خشبةُ الخلاص من لُجَجِ قلقها المصطخبة!.
كم مرّ من الأيّام؟ أسبوع؟ أسبوعان؟ ثلاثة؟ كيف بوسعها أن تتذكّر أو تعُدَّ وقد تزاحمَت في رأسها آلاف التفاصيل والجزئيّات واستحال أن تعيد تركيبَها بتسلسلٍ منطقيّ! ها هي تقف على الباب وتضع المفتاحَ في القفل ووراءها جموعٌ حاشدة من أهل القرية والغرباء والطقس ينثر على الوجوه والأيدي حُبَيْبات جليديّة، والشّجر يهتزّ بوجومٍ، لعلّه الوجوم الذي جثَمَ على قلبها وجعلَه فارغاً كالمدى المتمدّد بين الوادي والجبال، تدوِّم فيه سحبٌ قاتمة! ما زالت ترى، لكنّ العقل يمحو بسرعةِ البرق كلَّ ما رأت: يتقدّم ضابطٌ، على راحتيه علَمٌ مطويّ وفوقه وسام، ويقول بصوت جَلاه الصّمتُ الذي ران على الجميع، بما فيهم الرّيح التي توقّفت عن الجرَيان: -كان شجاعاً، باسلاً، وضع الوطن في قلبه والشّهادة في روحه، كي لا يسقط حجرٌ من أسوارنا! وبلمحة تذكّرت عينيه المضيئتين وهما يجلسان قرب المدفأة التي أشعلها لحظة وصوله مع الفجر وكم ارتجف قلبُها من الخوف حين صوّب نظراته فوق رأسها، بعيداً عنها وقال: – كلُّ طاقة الشرّ والغدر والشّحن التي يترصّدوننا بها، لن تفيدهم في اختراق التّحصينات التي بنيناها! ساعتئذٍ رأت في عينيه خطّاً مستقيماً من ضياء، يسير فيه وحده، بهذه الملابس التي تحبّها من أعماق روحها، وتراها خُلِقَت من أجله، بهيّةً بألوانها الخضراء والتّرابيّة، والعقاب الذّهبيّ الذي يزيّن ذراعه قرب النجوم المعدنيّة النّافرة، وأنّه سيتركها وحيدةً مع الذين سيمضي بعيداً من أجْلهم! رأته يغيب في آخر خيط الضّياء بوسامته الفريدة، فبكت وواساها بصوته الهادئ الذي لم تسمعْه عالياً قَطّ… وعاد بعد ذلك بزيارات متقطّعة، كانت لها أعياد وراء أعياد، حلمت فيها أن يكون تعلُّقُه بأصغر أطفاله، الذي ولد مع أحد انتصاراته، رابطاً يجعله يحرص على حياته من الخطر!
البيت الذي غادرته لترافق عودته إلى القرية من دون أن يمرّ به، نضحت جدرانه وأرضه وسقفه ببرودة تكاد في تزايدها تصل إلى قاعٍ بلا قرار! أقمشة المقاعد الورديّة شحب لونها حتى بدت خطوطاً لا تمايز بينها! الشّبابيك بدَت ضريرةً كالعيون التي لا حدقات فيها! وكان الأولاد يجلسون على مقاعد الضّيوف كالغرباء، لا تصدر عنهم نأمة، وعلى الطّاولة الخفيضة غلايينه ومنافض التبغ وجرائد لم يتسنّ له أن يتصفّحها! انكفأت على الطّاولة وحضنت أشياءه: -انهضوا! سنعود إليه لنكون قرب ريحان منزله الأبديّ، ففوق احتمالي أن أعيش تحت هذا السَّقف وبين جدران غادرتها روحه ولم تترك لي إلا الحطام!
سيادة العقيد بخير وسيتحدّث إليك عندما يستطيع! ترهف سَمْعَها لتلتقط أكثر من صوت العسكريّ المستعجل: صوتَ الرّصاص! صوتَ القذائف! صوتَ الاشتباكات! وكم طالت اليوم ساعاتُ طوافها حول الهاتف الصّامت، تجوس كلَّ زاوية في البيت البارد، الخالي، المرهِقة درجاتُ طوابقه الخمسة، التي كرهَتْها لأنّها تتعب ساقَه المصابة، كأنّ الرّنينَ خشبةُ الخلاص من لُجَجِ قلقها المصطخبة!.كم مرّ من الأيّام؟ أسبوع؟ أسبوعان؟ ثلاثة؟ كيف بوسعها أن تتذكّر أو تعُدَّ وقد تزاحمَت في رأسها آلاف التفاصيل والجزئيّات واستحال أن تعيد تركيبَها بتسلسلٍ منطقيّ! ها هي تقف على الباب وتضع المفتاحَ في القفل ووراءها جموعٌ حاشدة من أهل القرية والغرباء والطقس ينثر على الوجوه والأيدي حُبَيْبات جليديّة، والشّجر يهتزّ بوجومٍ، لعلّه الوجوم الذي جثَمَ على قلبها وجعلَه فارغاً كالمدى المتمدّد بين الوادي والجبال، تدوِّم فيه سحبٌ قاتمة! ما زالت ترى، لكنّ العقل يمحو بسرعةِ البرق كلَّ ما رأت: يتقدّم ضابطٌ، على راحتيه علَمٌ مطويّ وفوقه وسام، ويقول بصوت جَلاه الصّمتُ الذي ران على الجميع، بما فيهم الرّيح التي توقّفت عن الجرَيان: -كان شجاعاً، باسلاً، وضع الوطن في قلبه والشّهادة في روحه، كي لا يسقط حجرٌ من أسوارنا! وبلمحة تذكّرت عينيه المضيئتين وهما يجلسان قرب المدفأة التي أشعلها لحظة وصوله مع الفجر وكم ارتجف قلبُها من الخوف حين صوّب نظراته فوق رأسها، بعيداً عنها وقال: – كلُّ طاقة الشرّ والغدر والشّحن التي يترصّدوننا بها، لن تفيدهم في اختراق التّحصينات التي بنيناها! ساعتئذٍ رأت في عينيه خطّاً مستقيماً من ضياء، يسير فيه وحده، بهذه الملابس التي تحبّها من أعماق روحها، وتراها خُلِقَت من أجله، بهيّةً بألوانها الخضراء والتّرابيّة، والعقاب الذّهبيّ الذي يزيّن ذراعه قرب النجوم المعدنيّة النّافرة، وأنّه سيتركها وحيدةً مع الذين سيمضي بعيداً من أجْلهم! رأته يغيب في آخر خيط الضّياء بوسامته الفريدة، فبكت وواساها بصوته الهادئ الذي لم تسمعْه عالياً قَطّ… وعاد بعد ذلك بزيارات متقطّعة، كانت لها أعياد وراء أعياد، حلمت فيها أن يكون تعلُّقُه بأصغر أطفاله، الذي ولد مع أحد انتصاراته، رابطاً يجعله يحرص على حياته من الخطر!
البيت الذي غادرته لترافق عودته إلى القرية من دون أن يمرّ به، نضحت جدرانه وأرضه وسقفه ببرودة تكاد في تزايدها تصل إلى قاعٍ بلا قرار! أقمشة المقاعد الورديّة شحب لونها حتى بدت خطوطاً لا تمايز بينها! الشّبابيك بدَت ضريرةً كالعيون التي لا حدقات فيها! وكان الأولاد يجلسون على مقاعد الضّيوف كالغرباء، لا تصدر عنهم نأمة، وعلى الطّاولة الخفيضة غلايينه ومنافض التبغ وجرائد لم يتسنّ له أن يتصفّحها! انكفأت على الطّاولة وحضنت أشياءه: -انهضوا! سنعود إليه لنكون قرب ريحان منزله الأبديّ، ففوق احتمالي أن أعيش تحت هذا السَّقف وبين جدران غادرتها روحه ولم تترك لي إلا الحطام!
جريده تشرين 2018/01/16
تحية للجيش السوري، تحية للضابط وصف الضابط والجندي الذي لم يدخر شيئاً دفاعاً عن الوطن ابتداءً من نفسه وروحه
ردحذف