آفاق ..والطّمي_يزهر
نهلة سوسو
نهلة سوسو
انحسر الطّوفانُ وبقيت ملحمةُ جلجامش..
غاضَ الماءُ الصخّابُ في أعماق الأرض وأزهرت أناشيدُ جلجامش!
كم من الأحياء غيّبَهم الماء الغَضوب، بشراً وحيواناتٍ وطيوراً وغاباتٍ وعمراناً، لا راويةٌ يحيط بحكاياتهم، ولا شبّابةٌ تُكمل أنفاسَه حين يصمت أو يسترجع التّفاصيل؟ بل هو الخيالُ البشريّ الذي يرمّم بالصُّور ويركّبها بمقتضاه، لا بمقتضى الواقع ... لكنّ الحقيقة السّاطعة كالكواكب الأزليّة بقيت على الرُّقُم الطّينيّة التي بقيت رهينة الظّلال، آلاف السّنين ثمّ خرجت إلى الضّوء لتبهرنا، وتضع علاماتٍ على بوّابات ذلك الزّمان، لهداية الرّاغب فيها، إلى مسالكها وأسرارها..
كذا، كانت الملاحم التي عبَرَت أزمنةَ الشّعوب وتجاوزت أيامَها البطيئة وأناسَها الذين ولدوا وعاشوا وماتوا وهم يقيمون الحياةَ، عمراناً وصناعاتٍ وفنوناً، وصراعاتٍ هادئةً ومكتومة، أو شرسةً ومعلَنةً، حين تلتفت إليها الملحمة، تُسقِط الأسماء والتّفاصيلَ والمنعَطَفات، بل وتقيم بناءها السّرديَّ، من طوفانٍ مختلف رغم أنّه من أصل الطّوفان الأرضيّ الذي يودي بكلّ أشكال الحياة، تاركاً وراءه رواسبَ من طميٍ وطينٍ وصلصالٍ وصخرٍ ورمل!
بعد جلجامش والإلياذة و "الشّاهنامة" و "المهابهاراتا"، لم يهجر "ليف تولستوي" قلمه، بل كتب " الحرب والسّلام" من طوفان النّار والجليد الذي عمّ بلاده الرّوسيّة الشّاسعة، وكما كلُّ طوفان يخلّف وراءَه رواسب ثابتة وأخرى مفكّكة، فإنّ هذه الرّواسب تحضن خامات ذهَبٍ وبلاتين، فإنّ الأدب الجميل ينمو على هوامش الملحمة على شكل روايات، كما كانت روايات تولستوي نفسِه ومن عاصره من كبار الرّوائيّين!
إلى ما قبلَ الطّوفان الذي اجتاح الوطن، كنتُ أدخل أيّ مكتبة، وكلّ معرض كتاب، متّجهةً إلى رفوف الأدب العالميّ كالمسَرْنَمة، وقلّما أتلهّفُ على اقتناء رواية لكاتب عربيّ، بَلْهَ كاتبٍ سوريّ، متذرّعةً دائماً بأنّني أحبُّ كاتب الرّؤيا... أحبُّ الكاتب الذي يقول لي هذا الطّريق، لم يسبِقْ أن مشيتِ فيه، فاطرقيه! أحبُّ الكاتبَ الذي يأخذني إلى قارّة اكتشَفَها ويجعلني رفيقةً له في اكتشافها! لكنّ الطّوفان الذي غيّر إحداثيّات الأمكنة ومسالكَ الطّرق وخرائط الأنفس فاجأني بفيضٍ من المطبوعات: روايةً وقصّةً وقصيدةً، أشرقت بأساليب، فيها ما في اللّوحات من أسرار اللّون والظّلال، كلّما تأمّلتْها العيْنُ عن قرب، فاضَ موجُها وتلاعَبَت ظلالُها، وإن ابتعدَتْ عنها سمعَتْ أنفاسَ الكاتب وإيقاع نَحْتِهِ الصّبور الدّؤوب، وإن طُوي كتابٌ وفُتِح آخر، طلعَت الأمكنة من الجهات الأربع، فاستراحت أمواج البحر على شاطئ، أو انبعث دخانُ مواقدَ في الجبال، أو أشعلَت عاشقة أعواد بخورٍ على ضريح محي الدّين بن عربي، أو تاه ساهرٌ تحت النّجوم لكنّه ما لبث أن رآها في النّوافذ المفصِحة عن أرق المعَذّبين خلفها وقد فارقوا الأحباب في منافي الموت أو الاختفاء الغامض! حميمةً صارت حكاياتُنا المدوّنة! مبدعةً صارت اللّغة وهي تطلع من القلب في مشاهدَ تفوق ما تركه المسرح بقلّة كتّابه، الذي يصرُّ النّقّاد أن العصر الحديث، لم يتجاوز كتّابه اليونانيّين حتّى اليوم!
بعد أن تبلَعَ الأرضُ ماءَ هذا الطّوفان، ستزول الكثير من الكتابات، تماماً كما يزول القشُّ الذي يطفو على مدٍّ وماءٍ عالٍ، لكنّ الشّمس حين ستطلع على عمرانٍ جديد، ووطنٍ هو بذاته من أعظم ملاحم الوجود، سنقرأ أدباً جميلاً، لا اصطناع فيه ولا تكلّف ولا تطفّل على سموّه، لأنّ من يكتبون، يفعلون ذلك، وهم يلمسون الجمر بيد، ويمسكون القلمَ-القلبَ بيد، ربّما رفضاً للصّمت، وتجنُّباً للموت، وهل الصّمت إلا موتٌ ونحن نشاهد تلك الحمامة البيضاء التي تخفق بجناحيها فوق حرّاس الوطن، لتبلغَنا أنّ برّ الأمان قريب وأنّ النّجاة مكتوبة لنا على غصن زيتون وسنبلة قمح، وهما متعانقان على خوذة عالية؟
غاضَ الماءُ الصخّابُ في أعماق الأرض وأزهرت أناشيدُ جلجامش!
كم من الأحياء غيّبَهم الماء الغَضوب، بشراً وحيواناتٍ وطيوراً وغاباتٍ وعمراناً، لا راويةٌ يحيط بحكاياتهم، ولا شبّابةٌ تُكمل أنفاسَه حين يصمت أو يسترجع التّفاصيل؟ بل هو الخيالُ البشريّ الذي يرمّم بالصُّور ويركّبها بمقتضاه، لا بمقتضى الواقع ... لكنّ الحقيقة السّاطعة كالكواكب الأزليّة بقيت على الرُّقُم الطّينيّة التي بقيت رهينة الظّلال، آلاف السّنين ثمّ خرجت إلى الضّوء لتبهرنا، وتضع علاماتٍ على بوّابات ذلك الزّمان، لهداية الرّاغب فيها، إلى مسالكها وأسرارها..
كذا، كانت الملاحم التي عبَرَت أزمنةَ الشّعوب وتجاوزت أيامَها البطيئة وأناسَها الذين ولدوا وعاشوا وماتوا وهم يقيمون الحياةَ، عمراناً وصناعاتٍ وفنوناً، وصراعاتٍ هادئةً ومكتومة، أو شرسةً ومعلَنةً، حين تلتفت إليها الملحمة، تُسقِط الأسماء والتّفاصيلَ والمنعَطَفات، بل وتقيم بناءها السّرديَّ، من طوفانٍ مختلف رغم أنّه من أصل الطّوفان الأرضيّ الذي يودي بكلّ أشكال الحياة، تاركاً وراءه رواسبَ من طميٍ وطينٍ وصلصالٍ وصخرٍ ورمل!
بعد جلجامش والإلياذة و "الشّاهنامة" و "المهابهاراتا"، لم يهجر "ليف تولستوي" قلمه، بل كتب " الحرب والسّلام" من طوفان النّار والجليد الذي عمّ بلاده الرّوسيّة الشّاسعة، وكما كلُّ طوفان يخلّف وراءَه رواسب ثابتة وأخرى مفكّكة، فإنّ هذه الرّواسب تحضن خامات ذهَبٍ وبلاتين، فإنّ الأدب الجميل ينمو على هوامش الملحمة على شكل روايات، كما كانت روايات تولستوي نفسِه ومن عاصره من كبار الرّوائيّين!
إلى ما قبلَ الطّوفان الذي اجتاح الوطن، كنتُ أدخل أيّ مكتبة، وكلّ معرض كتاب، متّجهةً إلى رفوف الأدب العالميّ كالمسَرْنَمة، وقلّما أتلهّفُ على اقتناء رواية لكاتب عربيّ، بَلْهَ كاتبٍ سوريّ، متذرّعةً دائماً بأنّني أحبُّ كاتب الرّؤيا... أحبُّ الكاتب الذي يقول لي هذا الطّريق، لم يسبِقْ أن مشيتِ فيه، فاطرقيه! أحبُّ الكاتبَ الذي يأخذني إلى قارّة اكتشَفَها ويجعلني رفيقةً له في اكتشافها! لكنّ الطّوفان الذي غيّر إحداثيّات الأمكنة ومسالكَ الطّرق وخرائط الأنفس فاجأني بفيضٍ من المطبوعات: روايةً وقصّةً وقصيدةً، أشرقت بأساليب، فيها ما في اللّوحات من أسرار اللّون والظّلال، كلّما تأمّلتْها العيْنُ عن قرب، فاضَ موجُها وتلاعَبَت ظلالُها، وإن ابتعدَتْ عنها سمعَتْ أنفاسَ الكاتب وإيقاع نَحْتِهِ الصّبور الدّؤوب، وإن طُوي كتابٌ وفُتِح آخر، طلعَت الأمكنة من الجهات الأربع، فاستراحت أمواج البحر على شاطئ، أو انبعث دخانُ مواقدَ في الجبال، أو أشعلَت عاشقة أعواد بخورٍ على ضريح محي الدّين بن عربي، أو تاه ساهرٌ تحت النّجوم لكنّه ما لبث أن رآها في النّوافذ المفصِحة عن أرق المعَذّبين خلفها وقد فارقوا الأحباب في منافي الموت أو الاختفاء الغامض! حميمةً صارت حكاياتُنا المدوّنة! مبدعةً صارت اللّغة وهي تطلع من القلب في مشاهدَ تفوق ما تركه المسرح بقلّة كتّابه، الذي يصرُّ النّقّاد أن العصر الحديث، لم يتجاوز كتّابه اليونانيّين حتّى اليوم!
بعد أن تبلَعَ الأرضُ ماءَ هذا الطّوفان، ستزول الكثير من الكتابات، تماماً كما يزول القشُّ الذي يطفو على مدٍّ وماءٍ عالٍ، لكنّ الشّمس حين ستطلع على عمرانٍ جديد، ووطنٍ هو بذاته من أعظم ملاحم الوجود، سنقرأ أدباً جميلاً، لا اصطناع فيه ولا تكلّف ولا تطفّل على سموّه، لأنّ من يكتبون، يفعلون ذلك، وهم يلمسون الجمر بيد، ويمسكون القلمَ-القلبَ بيد، ربّما رفضاً للصّمت، وتجنُّباً للموت، وهل الصّمت إلا موتٌ ونحن نشاهد تلك الحمامة البيضاء التي تخفق بجناحيها فوق حرّاس الوطن، لتبلغَنا أنّ برّ الأمان قريب وأنّ النّجاة مكتوبة لنا على غصن زيتون وسنبلة قمح، وهما متعانقان على خوذة عالية؟

سورية قوية صامدة عزيزة منيعة بأبنائها وقوة جيشها وعظمة تاريخها وحضاراتها
ردحذف