عودة المعجزات
نهلة سوسو:
الفتى النَّهم للقراءة، مضى من الشّعر إلى الفلَك إلى أعماق البحار وغرائب الطّبيعة إلى الموسيقا فعلم النّفس، كأنّه يجوس كلّ العالم ليلمسه بيديه وكلّ حواسّه، ويشرد قليلاً كلما سمع عن اكتشاف كوكب جديد، أو خبر عن ثوران بركان خامد، أو وسيلةٍ للتواصل عبر القارّات خلال ثوانٍ، ثمّ يدوّن جملةً: كان العلماء المنتشرون في بقاع الأرض، صبورين أكثر من الصّبر، لا يعنيهم الوقت كما يعني النّاس، ومن مات منهم قبل أن يكتمل اكتشافُه، تركه ناقصاً ليُتِمّه عالمٌ أخر! ومنذ أقلقت الحربُ حياته ونقلَتْه من مكان إلى مكان وعبَرَ الأحياء المهدّمة قبل أن يصل إلى بيتٍ مؤقّت، كان يحسبه في خياله سفينة نجاة، ستعيده في النّهاية إلى مينائه الأول حيث مكتبة العائلة، كان يمنّي النّفس، بالعودة إلى سلسلة: ماذا تعرف عن! وكلُّ شيءٍ عن! لكنّ البيت احترق، فأنقذ كتبَه في خياله..
المعرفة صارت عنده من هاتف جوّال، سُمح له باستخدامه وهو لا يعرف أنّ عمره تسارع سبع سنوات اكتظّت بمشاهداتٍ ضاع منها علمُ الفلك وأعماق البحار، وحضرت أسماء مدن وقرى وأحياء في وطنٍ كان يعرف اسمه الكبير في نشيد وطنيٍّ يردّده في المدرسة كلّ صباح! وها هو يكتشف أن للوطن أجزاءً شاسعة لا حدود لها، ويعرف أنّ للمدينة نفسِها، أيِّ مدينة، أجزاءً شاسعة هي الأخرى، يمزّقها مجرمون ولصوصٌ لم يعرف لهم شكلاً في كل حكايات الشّعوب التي قرأها، لكنّ ما يسرق انتباهه هو الجيش المقاتل! تنحبس أنفاسه وهو يرى جنوداً يقاتلون في غاباتٍ كثيفة، عتيقة الأشجار، غامضة المسالك، ثمّ في صحراء مترامية وقد غطّى الغبار ملابسهم وقسمات وجوههم وأشفار عيونهم كأنّهم تماثيل صلبة نهضت من غبار وغضار البادية، وينتقل بلمسة زرّ، إلى فيلم يصوّر معركة في حيٍّ لا يستغرب اسمه حجراً أسود لكثرة ما تراكبَت حيطانُه وتداخلت أزقّتُه واختلطت شبابيكُه، فيرى نفس الرّجال يقاتلون بثقة وقوة، ولا يطول الوقت حتى يراهم في بحر هائل الموج، هم يتحرّكون والموج العاتي واقف متجمّد، يحرّك جهازه خشية عطلٍ طارئ، لكنّ الجند يتحرّكون كالرّيح في أرضٍ خلاء، حتّى تقع عيناه على كلمة «اللّجاة» فيتذكر أنها أرضٌ بركانيّة خامدة، ولم يُشْعِلْها بعد آلاف السّنين إلا هذا الجيش العظيم!
يكتب الفتى: جيش يختصر كلّ الأزمنة ويقاتل في كل الأمكنة، هو معجزة وفوق كلّ المعجزات! جريده تشرين الثلاثاء 03-07-2018

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق