
في قاعة العرض لوحاتٌ كثيرة غزَت الجدران، لا حجمَ موحّدٌ ينظُم هذه اللّوحات ولا أدوات رسمٍ وتلوين فهي مربّعة، مستطيلة، دائريّة وبألوانٍ مائيّة وشمعية وخشبية وقلم رصاص، ولعلّها لامست كل المدارس الفنّيّة من سرياليّة وانطباعيّة وكلاسيكيّة، لكن بأسلوب طفوليٍّ بحت، عزّز حقيقتَه شرحٌ قاله الشّاب الواقفُ في الاستقبال: -هذه اللّوحات لأطفالٍ يتَّمَتْهم الحرب!
كانت تسير بجواري وانتقاداتها تتصاعد: -معقول؟ لم يجدوا ورق "كانسون" يوزّعونه على الأطفال حتى يرسموا على كرتون سيِّء؟ هذا شكل حصان؟ هكذا تُلوَّن الغيمة بالأزرق وتُترَك السّماء بيضاء؟ أسوأ مدارس الدّنيا في مادّة الفنون هي مدارسنا، والدّليل هذه الرُّسوم التي اعتبروها لوحاتٍ وأقاموا لها معرضاً وهي لا تستحقّ إلا حاوية قمامة! أليس خسارة ثمن هذا الورق والألوان؟ قلت: -أرى غير ما تَرَيْن! أرى فرحة أطفال حاصرتْهم الأقدار باليتم والحزن وأتاح لهم الورق والألوان دفقاً من فرح بريء وتحرّراً من الوحشة والقيود، فما بالك تجنحين بالقدْح والذَّمّ حتى تبلغي التعليم ومناهجه؟ الفن هو نوع من العلاج...انظري كم من طفل رسم العلَم والغيوم والعصافير والحواجز والجنود والحدائق والحقول... كانت قد غادرَت قاعة العرض ووقفت إلى نضُدٍ واطئ في المدخل، وراحت تقلّب ديوان شعر يتغزّل بالرّيف: -هذا الشّاعر المزعوم، هو بالأصل مدرّس لغة عربيّة متقاعد، باغتَه الشّعر حين بلغ أرذل العمر، فخطر له منافسة المتنبّي، أليس جديراً به أن ينصرف إلى تعليم أحفاده قواعد النّحو والصّرف؟ سألتها: -ما تواريخ القصائد؟ لعلّه كتبها وتركها حتى فرَغَ لطبْعها.. رمت الدّيوان بلامبالاة: -لا أدري! لم أقرأ منه كلمة واحدة!
تذكّرتُ أنها هي نفسها التي تتصدّى لمنشورات على وسائل التّواصل الاجتماعيّ كلّما حرّر الجيش منطقةً عصيّة بالإرهاب، وخرج أهلوها بعد شعورهم بالأمان لتحيّة طلائع الجيش، قائلةً: -نفاق الجبناء الذين صمتوا سبع سنوات! وإذا قُبض على مجرم وثّقَت صور إجرامه بالصّوت والصّورة، صدَحت كغراب أُطلق سراحُه للتوّ: سيعود إلى حضن الوطن بعد أن يستقبله وزيرُ المصالحة! وإذا ارتقى شهيدٌ وشيّعته أقلامُ وقلوبُ محبّيه، تنهّدت ووزّعَت دُرَرَها الثّمينة على الصّفحات: -عسى ألا يكون دمُه رخيصاً فهم يدلّلون أبناء الإرهابيين بالعصير والبسكويت والشّوكولا، وينسون أبناءه!
ثقافة التّبخيس نمطٌ يحوزه صاحبه، كما أحسب، من ألف عقدة نقص وانعدام ثقة بالنفس، وتجارب مريرة ومتكررة من عدم إنجاز أي شيء ذي قيمة في حياة المُبَخِّس! / جريده تشرين / 10 / 7 / 2018 /
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق