الثلاثاء، 17 يوليو 2018

آفاق تهافت الذرائع نهله سوسو

آفاق تهافت الذرائع

نهله سوسو
يتأبط شاعرٌ لقبه، وينصرف عن كتابة القصيدة إلى هجاءٍ مرٍّ للمؤسّسة التي تُعنى بالتقييم والنّشر! لا يشكو الشّاعر من رفض مخطوطاته من قِبَل المؤسسة التي ينتمي إليها، ولا ينعى الإبداعَ فيما تدفع من مطبوعاتٍ إلى القرّاء، ولا يقدّم نقداً لديوانٍ أو روايةٍ صدرَت برعايتها، لتنجلي غيمةٌ كالتي كانت بين أناتول فرانس وجماعة أراغون، بل تبدو المسألة كالحبّ من طرفٍ واحد، تشتدُّ عصفاً، حين يتواصل هجومه دون ردّ.. ودون إمتاعٍ ثنائيّ على طريقة الفرزدق وجرير!
كان الكاتب السّوريُّ الشّهير حسيب كيّالي يسخر من كتّاب غير موهوبين ولو بلغوا من الانتشار ما بلغه فيكتور هيغو، لكنّه ارتفع بموهبته واتّساع معرفته، إلى مكانةٍ تحرّك سكون الجوّ الثّقافيّ وتثير فضول القرّاء وتفعّل معارفهم قبل أن يصطفّوا معه أو ضدّه، هو الذي بقي في نقده العالي غيوراً على الثّقافة كما كان يراها، ولم يوجّه نصالاً مسمومة إلى شخصٍ بشخصه، ولأنّه كذلك لم يغادر خاطري، وأنا أطالع غزوات الشاعر على ما جعلَه " مضارب" أدبيّة، ثقافيّة، فكريّة، يجبُ أن تُحرّر من "شيخها" لينداح الإبداعُ وتتدفّق مؤلّفات الأدباء، بعد أن انزلق من هجاء المؤسسة إلى شخص يديرها، دون أن يلامس كتاباً من كتبه العديدة في النّقد أو القصّة، وهو الشّأن الجامع بينهما، والمسوّغُ المنطقيّ الأوّل لما درَجَت عليه التّسمية الأدبيّة للجدل الفكريّ ب" المعارك" الأدبيّة، التي أنتجت في ثقافات كلّ الشّعوب حراكاً جميلاً ومؤثّراً مهما كانت شدّتُه، لأنّ من شأن هذه المعارك أن تجلو قيمة كلّ مبدعٍ وتكرّس مكانته كما يليق به!
لا ينتظر شاعرٌ أيّةَ مؤسّسة في العالم ليصوغ قصيدته، حتّى لو كانت الوحيدة المخوّلة بالنّشر فكيف إذا كانت دور النّشر متوفّرة وجاهزة لإصدار الكتب في كلّ وقت؟ ولا يحتاج الشّاعر الحقُّ لشهادة رسميّة في كلّ موسم تسقيه الإلهام، فكيف إذا كان منتسباً للمؤسسة ويُدعى إلى فعالياتها ولم يُغلق في وجهه باب؟ وحين تسقط هذه الذّرائع المنطقية رغم عدم منطقيّتها، تتهافت كلُّ الذّرائع وتخسر الثّقافة بشعرها ونقدها ورموزها، بانزلاقها إلى مهاوٍ هي ليست منها ولها، لأنها سوى الضّغينة، لا تعطينا أدباً ولا تغني إبداعاً ولو على طريقة ابن الرومي والحطيئة وأبي الشّمقمق وحسيب كيّالي..

جريده تشرين / 17/ 7 / 2018 م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق