
آفاق عودة الغائبين نهله سوسو
هي تعلم أنه كان في صحراء! وكيف تعلم غيرَ ما يقولونه لها؟ وحين انقطعت اتصالاتُه أفادوها أنه في مكان دُمّرَت فيه أبراجُ الهواتف وعليها أن تنتظر! وما كان انتظارها كانتظارهم، لأنه لم يكن بعيداً عنها كما يتخيّلون وبقيت تسوّي وسادته كما كانت تفعل خلال خمسة وعشرين عاماً وتنهض كلّ صباح وهي تفكّر لحظة يقظتها ماذا ستختار من خضار الموسم لتطبخ له، وتنظر إلى الساعة الجدارية تشير إلى الرّابعة بعد الظّهر ومعها صرير الباب يُفتح وتهفو رائحةٌ لا اسم لها..
حين صارت عقاربُ السّاعة تراوح مكانها لم تطلب من أحدٍ تزويدها بمدَّخِرة تصوّب مسارها، لأنَّ أشياء كثيرة تغيّرت وما عاد من حولها هم أنفسَهم، صار الأبناء أكثرَ نزَقاً أو لامبالاة وأبوهم ينحُل وينحني وإيقاع الأيّام يدخل في فوضى لا أحدَ يتذمّر منها أو يفكّر بإيقافها حتى إذا توقّفت السّاعة نهائيّاً عن الحياة دخل في وعيها أنّها لن تراه! –حوصر مع رفاقه ولم يبق منهم أحدٌ على قيد الحياة! وفي الأخبار صار وصفُه شهيداً! وهي طوال عمرها لا تحفل إلا بما يقوله قلبها، وما تنقله حواسُّها، ومادامت لم تره بعينها ولم تلمس شَعرَه وأصابعَ يديه فإنّه موجود وسيعود... لا أحدَ عزيز على قلبها اختفى كموجة بخار أو موجة ظلّ على جدار، فكيف يتلاشى أكثرُ من أحبّت بشغاف قلبها كأنّه مجرّد صوتٍ أو صدى؟
كادت تغادر لتنفرد بنفسها بعيداً عن السّاهرين الواجمين حين شخصت العيون إلى التّلفزيون تتابع مقبرة جماعية! تتابع الأجسادَ الخارجة من بطن الأرض فتشعر بقشعريرة، لأن من أُخرِجوا كانوا بملابسهم العسكريّة ولم يكن رقادُهم مريحاً، وكيف يكون كذلك وهم مازالوا بأحذيتهم؟ كيف يكون كذلك ومازالت السُّتَر مزرّرة حتّى الأعناق؟ -توقفوا! لا تغطّوه! أريد أن أملأ عيني منه! هذه ساعته بإطارها الذّهبيّ المربّع وهذه قلادتُه، ألا تتذكّرون " ما شاء الله " المكتوبة بالمينا الزّرقاء، لا تخطئ عيني ساعتَه وقلادته ولو أُهيل عليهما كلُّ تراب الأرض... يرين صمتٌ ثقيل ويبدِّل الأب جلستَه كأن نصلاً دخل خاصرته، وهي تواصل: -كانوا معاً ولم يفترقوا. لم يبق وحيداً في وحشة الصّحراء ولم يداهمه الخوف وهو بلا نصير! انكفأت تبكي أخيراً: -الآن عاد الغائبون...افتحوا الأبواب لعودتهم! جريدة تشرين
24 / 7 / 2081
حين صارت عقاربُ السّاعة تراوح مكانها لم تطلب من أحدٍ تزويدها بمدَّخِرة تصوّب مسارها، لأنَّ أشياء كثيرة تغيّرت وما عاد من حولها هم أنفسَهم، صار الأبناء أكثرَ نزَقاً أو لامبالاة وأبوهم ينحُل وينحني وإيقاع الأيّام يدخل في فوضى لا أحدَ يتذمّر منها أو يفكّر بإيقافها حتى إذا توقّفت السّاعة نهائيّاً عن الحياة دخل في وعيها أنّها لن تراه! –حوصر مع رفاقه ولم يبق منهم أحدٌ على قيد الحياة! وفي الأخبار صار وصفُه شهيداً! وهي طوال عمرها لا تحفل إلا بما يقوله قلبها، وما تنقله حواسُّها، ومادامت لم تره بعينها ولم تلمس شَعرَه وأصابعَ يديه فإنّه موجود وسيعود... لا أحدَ عزيز على قلبها اختفى كموجة بخار أو موجة ظلّ على جدار، فكيف يتلاشى أكثرُ من أحبّت بشغاف قلبها كأنّه مجرّد صوتٍ أو صدى؟
كادت تغادر لتنفرد بنفسها بعيداً عن السّاهرين الواجمين حين شخصت العيون إلى التّلفزيون تتابع مقبرة جماعية! تتابع الأجسادَ الخارجة من بطن الأرض فتشعر بقشعريرة، لأن من أُخرِجوا كانوا بملابسهم العسكريّة ولم يكن رقادُهم مريحاً، وكيف يكون كذلك وهم مازالوا بأحذيتهم؟ كيف يكون كذلك ومازالت السُّتَر مزرّرة حتّى الأعناق؟ -توقفوا! لا تغطّوه! أريد أن أملأ عيني منه! هذه ساعته بإطارها الذّهبيّ المربّع وهذه قلادتُه، ألا تتذكّرون " ما شاء الله " المكتوبة بالمينا الزّرقاء، لا تخطئ عيني ساعتَه وقلادته ولو أُهيل عليهما كلُّ تراب الأرض... يرين صمتٌ ثقيل ويبدِّل الأب جلستَه كأن نصلاً دخل خاصرته، وهي تواصل: -كانوا معاً ولم يفترقوا. لم يبق وحيداً في وحشة الصّحراء ولم يداهمه الخوف وهو بلا نصير! انكفأت تبكي أخيراً: -الآن عاد الغائبون...افتحوا الأبواب لعودتهم! جريدة تشرين
24 / 7 / 2081
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق